* منذ ألف عام .. والخلق يسهر جرّاه ويختصم!
* ومنذ ألف عام .. والناس مفتونون بقوافيه شعراً ومشاعراً، ذلكم هو أبو الطيب المتنبّي، الشاعرُ والفارسُ الذي نازعه «غلُّو» الحلمِ بالحكم والحب، فخسَرهما معاً!
* يمدحُ .. فيحلّقُ بممدوحه فوق هام السحب،
* ويهجُو .. فيهوي بمَنْ هجاه إلى قاع الذلّ!
***
* كلُّ شعره أو جلُّه كان «قضية» لأنه هو نفسه .. كان «القضية»!
* كان يحلم بلا حدود،
فصَاغَ شعراً خالداً بلا حدود!
* وكان يحلمُ بالحكْم .. ولو على ولاية بحجْم الكف!..
فسعى إلى ذلك لدى صديقه وحميمه سيف الدولة .. لكنه لم ينلْ منه شيئاً، وحبَط مسْعاه .. أو أحْبَطَه الحاسدُون له والحاقدون عليه!
***
* وكان يعشقُ أختَ سيف الدولة، خولةَ، كما عشقتْه، وتمنّاها زوجاً، كما تمنّتْه ..، ولكن حَبِطَ مسعاهما .. أو أحْبَطه الحاسدُون لهما والحاقدون عليهما!
***
* ثم هبَط مصراً علّه يجدُ في بلاط اخشيدها الزنجي كافورٍ ما ضنّ به عليه سيفُ الدولة الحمداني!
* ظنّ في كافور المجدَ لمّا وعَده بولاية صيدا، فمدحه، وكنّاه بأبي المسك!
* ولما لمْ ينلْ ما وعدَه به، هَجَاه بقَسوة، ثم فرّ صوب الكوفة متدثِّراً بظلام الليل، ويكْمُنُ له نفرٌ من حسّاده يقودهم فاتكٌ الأُسْدي، بنِيّة القضاء عليه، وتسَوّلُ له نفسُه أن يغيّر وجهتَه صداً لكيدهم، لكن البعض من رفاقه يذكِّره ببيته الشهير:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والرمحُ والسيفُ والقرطاسُ والقلمُ
فيتخلّى عن فكرة الهرب، ويقرّر مواجهةَ خصومه، ويهمّ بمَنْ همّ به في هجْمة ضارية، لكن أعداءَه كانوا أشدّ منه بأساً، وأكثرَ عدداً، ويُجْهِز عليه فاتكٌ الأسدي، ويُسدَلُ الستار على المتنبي، الشاعرِ .. والفارسِ، والعاشقِ، لكنه .. يظلّ بعد ذلك كله «قضية» تسْكُن قلعةَ الشعر .. وشعراً يفتن ألباب الناس سنيناً!
***
* ألهمتْني هذه السطورَ مسرحيةٌ شعرية موسيقية رائعة شَهدْتُها خلال زيارة قصيرة للبنان مؤخّراً، أبدعها الشاعرُ والملحن اللبناني الشهير، منصور الرحباني، نظماً ولحناً، وشارك في أدائها حشدٌ كبير من نجوم الغناء والمسرح والاستعراض في لبنان، وكانت مسرحية «أبو الطيب المتنبي» بحق ملحمةَ تكريم من شاعر معاصر لشاعر آخر أثْرى الأسماع نشيداً قبل أكثر من ألف عام، وعاش يحلمُ بالحكم، فتقرّبَ إلى سيف الدولة الحمداني، وأسكنه عُروشاً من شعره، وحين أدركه اليأسُ من نيل ما تمنّاه، هَبط إلى مصر وحلّ ضيفاً على كافورها، وأشعل في مدحه وقدحه فرائدَ من شعره .. بدءاً بأبي المسك وانتهاء ب «لا تشتري .. الخ ..»، ثم فرّ بعد ذلك إلى هُوة الردى!
***
* لقد كرّم لبنان أبا الطيب المتنبي في سابقة إبداعية جميلة لم نسمعْ أو نرَ لها مثيلاً منذ حين من الدهر .. فهل يكرّمه العربُ الآخرون، ومتى وكيف؟!
|