القصيم واحة نجد الخضراء هذه المنطقة الواقعة في قلب الجزيرة العربية تستقبل اليوم أحد رموز القيادة السعودية الحكيمة صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز الرجل المحنك الذي يحمل في قلبه الكبير هموم ومسؤوليات أمن المواطن السعودي بصفة خاصة وأمن المواطن العربي بصفة عامة، يحل ضيفاً كريماً على منطقة عزيزة وغالية على قلبه تحبه ويحبها، انتظرت زيارته الميمونة أياماً طويلة، يأتي سموه الكريم اليوم ليدشن أحد المعالم الحضارية الحديثة في جبين منطقة القصيم، وينتهز هذه المناسبة الكريمة ليلتقي أبناء المنطقة في سائر مدنها ومحافظاتها ليجسد حرس القيادة على التواصل مع الرعية في كل المناسبات،
إن منطقة القصيم التي لم تتفيأ عبر تاريخها الطويل بظلال الأمن والهدوء والاستقرار إلا حينما خضعت لحكم آل سعود أنجبت في ظل هذا العهد الزاهر الميمون كوكبة من العلماء والمفكرين والرجال المخلصين الذين أثبتوا وجودهم وجدارتهم من خلال المناصب القيادية العليا التي تسنموها في هرم الدولة، ، وقد حافظت هذه المنطقة دوماً على اخلاصها وولائها التام لقيادتها الرشيدة في السلم وفي الحرب وفي أيام الرخاء والشدة، وكان الحب متبادلاً بين الطرفين اسوة ببقية مناطق المملكة، ولم يكن هذا الحب وليد اليوم إذ إن له جذوراً قديمة وأصيلة ظهرت منذ قيام الدولة السعودية حينما كانت تعتمد على منطقة القصيم في جمع زكواتها من الحبوب والتمور إلى جانب المناطق الأخرى،
والواقع ان أهمية القصيم بالنسبة للدولة السعودية وبخاصة في مراحلها المبكرة لم تتوقف عند هذا الحد فمن المعروف ان هذه المنطقة من الناحية الاقتصادية كان لها السبق في الانفتاح على أسواق العالم العربي المجاورة من حيث تبادل التجارة، وأهمها: تجارة المواشي من الإبل والخيول والأغنام، وكان يقوم على تبادل هذه التجارة جماعة من أهل القصيم عرفوا باسم «العقيلات»، وكانت آخر رحلاتهم قد انتهت مع نهاية عام 1375ه 1995م فبعد ان يبيعوا مواشيهم يعودون إلى ديارهم محملين بأصناف البضائع من الأقمشة والحرير ومواد الصناعة مثل النحاس والقصدير والمواد الغذائية وغيرها من منتجات الدول التي كانوا يرحلون إليها، وعندما أصبحت اسواق المملكة العربية السعودية بفضل التطور تحتاج إلى الكثير من اللحوم، وأضحى الإنتاج المحلي لا يفي بمتطلبات الأسواق، اتجهت فئة منهم إلى مدينة جدة، وفتحوا المكاتب لاستيراد المواشي من السودان والصومال، كما استقرت فئة ثالثة في مدن المملكة الكبيرة حيث عملوا في التجارة والصرافة، إلى جانب اخوانهم من تجار هذه المدن، فبرز العديد منهم تجارا وأصحاب شركات ومصانع،
وثمة حقيقة تاريخية لابد من ذكرها في هذا السياق فقد ظل أهل القصيم أوفياء مطيعين لقيادتهم منذ قيام الدولة السعودية وتاريخ هذه الدولة مليء بالشواهد ففي سنة 1357ه حدثت موقعة بقعاء بين أهل القصيم وابن رشيد عندما ركب أميرا عنيزة وبريدة ومعهما جماعة كبيرة من أهل المدينتين وجمع من بلدان القصيم وقصدوا غزو ابن رشيد فخرج إليهم عبيد بن رشيد وحصل بين الجانبين قتال عظيم قُتل فيه عدد كبير من أهل القصيم وأعيانهم،
وعاد الاستقرار إلى القصيم بعد رجوع الإمام فيصل بن تركي إلى نجد إثر هروبه من سجنه في مصر ليلتف حوله أمراء نجد ويبايعونه على السمع والطاعة، وعندما توفي الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي وبايع أهل الرياض اخاه عبدالرحمن سافر وفد من أهل القصيم لمبايعته واتفقوا على التعاون للخلاص من حكم محمد بن رشيد وكانت موقعة «المليداء» سنة 1308ه 1891م، التي سقط عدد من أبناء القصيم وزعمائها دفاعاً عن عهودهم ومواثيقهم حيث تراوح عدد القتلى منهم ما بين ثمانمائة وألف قتيل تقريباً، وكان لهذه الموقعة أثر سيء على نفوس أهل القصيم حيث فقدوا كثيراً من رجالهم المشهورين، وأهل الرأي بينهم، ومما زاد في تأثيرها على نفوسهم ان أكثر هؤلاء القتلى لم يقتلوا في ميدان المعركة، بل انهم تعرضوا لمطاردة شديدة من جانب خيالة ابن رشيد وقتلوا بعد ان اجبروا على القاء اسلحتهم، وتركت موقعة المليداء تذكاراً في كل أسرة من أهل القصيم، وأقامت مناحة في كل بيت من بيوتها وأصبحت تاريخا يؤرخ به إلى الآن، وبعد هذه الموقعة تفرق شمل أبناء القصيم فمنهم من هاجر إلى الكويت ومنهم من هاجر إلى الشام ومصر، واستأنف «العقيلات» رحلاتهم إلى الشام والعراق ومصر وصاروا بعد موقعة المليداء يدفعون الضرائب لابن رشيد بعد ان خضعت معظم بلاد نجد لحكمهم حتى توفي محمد بن رشيد سنة 1315ه وتولى بعده ابن اخيه عبدالعزيز بن متعب بن رشيد الذي جرت في عهده سنة 1318ه موقعة الصريف بينه وبين مبارك الصباح وكان مع الشيخ مبارك الإمام عبدالرحمن بن فيصل وأمراء القصيم السابقين الذين فروا إلى الكويت إثر هزيمتهم في معركة المليدا ورغم انتصار ابن رشيد في موقعة الصريف إلا انها كانت بداية نهايته وأولى خطوات سقوطه، وبرزت بعد هذه المعركة شخصية الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل «الملك عبدالعزيز رحمه الله » الذي استطاع بعد سنة واحدة احتلال الرياض في شوال سنة 1319ه، وكان أهل القصيم الموجودون في الكويت آنذاك قد اجتمعوا وتدارسوا أمرهم فوجدوا في شخصية عبدالعزيز المنقذ لتخليص بلدانهم من حكم ابن رشيد، وكان الشاعر محمد العوني موجوداً معهم فنظم قصيدة من الشعر سماها «الخلوج» وصف فيها حالة القصيم حينذاك، وطلب إلى الموجودين معه ارسالها إلى العقيلات في الشام، فكان لهذه القصيدة أكبر الأثر في خروج أهل القصيم من العراق والشام ومصر وتجمعهم في الكويت، ثم انطلقوا من هناك إلى نجد وانضموا إلى جيش عبدالعزيز بن سعود الذي كان يعسكر في منطقة الوشم، وتحركوا بصحبته فدخل الجيش السعودي مدينة عنيزة في محرم سنة 1322ه، وفتح أهل بريدة الأبواب لعبدالعزيز رغم وجود حامية ابن رشيد التي كانت قد تحصنت في قصر بريدة لكنها وجدت نفسها محاصرة من الأهالي والجيوش فاضطرت للتسليم، ، وعلم ابن رشيد باحتلال القصيم، فارسل يطلب نجدة الأتراك من العراق، وتجميع فلوله وتلاقت الجموع في سهل البكيرية عام 1322ه/ 1904م ثم الشنانة وغيرها من المعارك، ، وبعد فقد كان هذا هو تاريخ أهل القصيم مع آل سعود تاريخ طويل ومشرف يمتد إلى أكثر من «مائة وخمس وستين سنة» يعكس بصورة واضحة قوة ولائهم لهؤلاء القادة منذ ان وطأت أقدامهم أرض القصيم، نعم انها ملحمة من البطولة والشجاعة، يقولها ابناء القصيم بكل فخر، وكان الملك عبدالعزيز رحمه الله ومن بعده أبناؤه البررة يروونها في مجالسهم،
وبمناسبة افتتاح صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز مبنى إمارة القصيم الجديد وهو قلعة حضارية شامخة، نذكر القارئ العزيز بأن أقدم قصر للإمارة كان يقع في وسط مدينة بريدة إلى الشمال من الميدان المعروف حاليا ب«الجردة» وكان مقراً يقيم فيه الأمير وعائلته وخدمه وفيه مكان للضيافة ويوجد مسجد بداخله، ويقع مجلس الأمير داخل القصر في الدور الأول من المبنى المؤلف أساساً من دورين وطول المجلس حوالي مائتا متر وعرضه عشرة أمتار ويمكن للأمير وهو في مجلسه مشاهدة ما يجري في الجردة والداخل والخارج، وقد تبدلت معالم بريدة خاصة بعد هدم القصر الذي كان أحد معالمها القديمة، وفي سنة 1373ه 1953م بدأ امير القصيم آنذاك عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي ببناء قصر الإمارة وهو ثاني قصر لإمارة القصيم وانتهت عمارته سنة 1375ه وهذا القصر تم استبداله بالقصر الجديد في عهد صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم حالياً، ومنذ ان دخل المغفور له الملك عبدالعزيز رحمه الله مدينة بريدة سنة 1322ه 1904م تعاقب على إمارة القصيم عدد كبير من الأمراء، كان أولهم الأمير عبدالله بن جلوي، ثم الأمير عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي، ثم الشيخ مبارك بن مبريك، ثم الأمير مشاري بن جلوي، ثم تولى الأمير تركي بن عبدالعزيز بن تركي بن ذعار، ثم الشيخ مبارك بن مبريك، ثم الأمير عبدالله بن فيصل بن فرحان، ثم الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي، ثم تولى إمارة القصيم الشيخ محمد بن عبدالله بن بتال، ثم خلفه الأمير سعود بن هذلول، وجاء بعده الأمير فهد بن محمد آل سعود حتى قرر جلالة الملك خالد رحمه الله تعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالإله بن عبدالعزيز أميراً لمنطقة القصيم، ثم خلفه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز الذي يعد قصر الإمارة الجديد إحدى ثمرات جهوده الكبيرة،
مقتطفات سريعة من القصيم
خصصت سنة 1359ه أول ميزانية لإمارة منطقة القصيم وكان المبلغ مائة ألف ريال سعودي،
في عهد الإمام فيصل بن تركي وفي سنة 1266ه 1850م استعمل على مال بيت بريدة عبدالعزيز بن الشيخ عبدالله أبا بطين، وأول من استعمل على بيت المال في عهد المغفور له الملك عبدالعزيز هو الشيخ عبدالكريم بن ناصر بن جربوع سنة 1322 1347ه،
أول مدير لمالية بريدة في عهد الملك عبدالعزيز سنة 1351ه كان الشيخ عبدالرحمن الشعيبي ثم تولى بعده الشيخ محمد بن مرشد حتى عام 1357ه، وكانت الرواتب في ذلك الوقت هي: 260 210 180 170 130 110 80 ريالا في الشهر، وكانت المرتبات لا تصل شهرياً بل كل ثلاثة شهور أحياناً، حتى بدأت ميزانية الدولة تسير طبقاً لأحدث النظم المالية، وهذا حدث بالضبط ما بين عامي «1373 1375ه»،
تعتبر إدارة البرق والبريد، الإدارة الرسمية الثالثة في منطقة القصيم، فقد انشئت في بداية عام 1344ه،
«ولمزيد من المعلومات عن تاريخ القصيم السياسي والحضاري انظر: كتاب الأستاذ الدكتور محمد السلمان «الأحوال السياسية في القصيم»، وكتاب الأستاذ إبراهيم المسلم: القصيم والتطور الحضاري»،
أستاذ التاريخ الإسلامي المشارك ووكيل كلية العلوم بفرع جامعة الإمام بالقصيم |