لم تكن هي المرة الأولى....
ولكنها ظاهرة كانت آخذة في التشكل والتبلور حينما ظهرت مرافقة لحمى الوادي المتصدع، وقد داومت على المسير نحو أطوارها النهائية في عدد من القضايا والأحداث المحلية، انتهاء إلى الشكل المتطور الفائق التجاوز الذي اتخذته طبيعة التغطية الإعلامية في صحفنا لحادث المدرسة المتوسطة في مكة المكرمة. فتلك الصحافة التي كانت موكلة بنقل أحداث المدن الفاضلة فقط قبل سنوات بسيطة فقط تلك المدن التي لايأتيها الباطل من بين يديها ولا تحتها، فتبدو كصحافة الحزب في الدول الشيوعية، أو صحافة العسكر في إحدى جمهوريات الموز انخرطت في دورها الحقيقي كقناة نبيلة واضحة وموضوعية سواء على مستوى نقل الحدث أو التحليل أو المقالة في إطار من الموضوعية والشفافية الفائقة.
ولكن المهم في الأمر أن يتجاوز الطرح الإعلامي فخ الغوغائية وجاذبية صحافة التابلويد والصحافة الصفراء، ليعي حجم المسؤولية المناطة بالصحافة كونها مخرج الطوارئ وصمام الأمان للمجتمع والرئة التي تنقل له الهواء الصحي النقي.
وعلامة الجسم الصحيح هو الذي ترتفع فيه الحمى ويصاب بالأمراض والوهن، فهذه إشارة واضحة على أن الجسد يعمل ويضج بالحياة ويوصل جميع إشارات الدفاع وخطوط المقاومة لمواجهة بؤر الفساد والتردي.
أما مجتمع المدن الفاضلة (الذي كانته الصحافة في الأمس) والتي تنسب كل خطأ أو كبوة إلى الأجنبي، وتسبغ على أفرادها هالة من القداسة فهي مجتمعات تتقاطع مع الطبيعة البشرية التي يتوازى فيها الخير والشر الفضيلة والرذيلة ، بل هي محك الاختبار والتكليف البشري من الله تجاه عبيده.
بعض وسائل الإعلام العالمية تناقلت أخباراً على الصيغة التالية: (بنات سعوديات يحترقن بداخل مدرسة نتيجة منع حراس الفضيلة رجال الإنقاذ من الدخول)، هذا الطرح العجيب والمتحامل يتوافق مع الذهنية الغربية ورؤيتها لهذا المكان وسكانه وليس هناك من وسيلة لمقارعته والتغلب عليه إلا بالمزيد من الشفافية والصحافة الحرة المعبرة عن رأي المجموع والمدعومة من هذا المجموع نفسه.
وتبني نفس الدور الذي تبنته صحافتنا المحلية حيث كانت في موقع الحدث أولاً بأول وفازت باللقطات الأولى والتصريحات الأولى ونقلت كل التفاصيل دون حجاب ودون محاباة ودون مقص الرقيب المذعور المتردد، هذا النوع من الصحافة هي العين الثالثة التي يملكها المجتمع عين البصيرة النقية التي تدل على مواطن الفساد والمرض، صحافتنا تدخل طوراً جديداً من تاريخها، بوابة كبيرة ومساحة عارمة أشرعت، بقي أن نقبض عليها بكل المسؤولية والنبل والإخلاص الذي يتطلبه هذا الأمر.
|