في ختام هذه السلسلة من المقالات تستعرض شدو عدداً من الأفكار والمضامين ذات العلاقة بموضوع الاستشراق، وهي كالتالي:
** إنه من العدالة، بلْه من صالح العرب القول إن العرب يتحملون الجزء الرئيس من اللوم فيما يتعلق بالحملات الإستشراقية، فضعفهم هو ما أمد الاستشراق بوقود القوة، ورسوبهم في التاريخ هو ما منح الاستشراق النجاح التاريخي، ومع ذلك فثمة استدراك يتمثل في أن تحميل العرب هذا الوزر التاريخي لا تنتفي معه حقائق «استعمارية» الاستشراق، كما يتمثل فيما جناه الاستعمار من هذه الحملات من فوائد «غير انسانية»لا تزال تتجلى في هيئة استعمار عن بُعد وهيمنة سياسية «Hegemony»، وتبعية اقتصادية وخلافها.
**** إن من بين المستشرقين من يُعتبر من أخلص الأصدقاء للقضايا العربية والإسلامية، وكما هي العادة العربية الأصيلة أو المتأصلة فلم يتم استغلال مشاعرهم الجياشة نحونا وتسخيرها في سبيل قضايانا التاريخية، ولا سيما أن جلَّهم قد مضى إلى ربه.
هذا ومن ضمن هؤلاء المستشرقين المستشرق «بيرك» والمستشرق الفرنسي «رودنسون» صاحب الجهود الفكرية الرائعة التي لا تخفى على القارئ العربي، وذلك لكثرة ما تمت ترجمته منها إلى اللغة العربية، وبالذات ما تمحور من هذه المؤلفات حول الإسلام والثقافة العربية. ومن أشهر هذه الأعمال كتابه الموسوم ب «جاذبية الإسلام» وبحق فهذا الكتاب جدير بكل إعجاب لما حواه من ثراء منهجي، جنباً إلى جنب مع حقيقة دفاعه عن عقيدة الإسلام وتفنيده لما طال ثقافته من تشويه متعمد منذ الحروب الصليبية حتى يومنا هذا.
** ربما أن بعض متخصصي علم الاجتماع العرب يجهلون حقيقة أن عالم الاجتماع الشهير «دوركهايم» قد اعتاد سنوياً كما يذكر المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون في الكتاب المشار إليه آنفا على إحصاء واستعراض كافة المؤلفات المتعلقة بالإسلام في الماضي والحاضر على حدٍّ سواء، وقد ضمن دوركهايم ذلك كما يقول رودنسون في مجلته المسماة «الحوليات السوسيولوجية».
ومعلومة عابرة كهذه من الواجب على الأقل أن توقظ فينا الوعي الحضاري اللازم وضرورة الأخذ بمبدأ «اعرف عدوك».
** استشفافاً من حقيقة الواقع القائم، فمن المحال نجاح حملة أو بالأحرى فكرة «الاستغراب» أو الحملة المضادة للاستشراق ما لم يتسلح العرب بما تسلح به المستشرقون من مناهج بحث وطرائق استقصاء واستقراء. فما تم بذله من قبل المستشرقين في سبيل إنجاز ما أنجزوه، يعتبر في عداد المعجزات العلمية والمعرفية الموسوعية، وما أدل على ذلك إلا قطافها الماثل في التفوق الحضاري الغربي بكل ما تحمله مضامين كلمة «التفوق» من دلالات ومعانٍ.
** يحضرني في سياق موضوع الاستشراق فكرة قرأتها ذات مرة للشيخ «ابن باديس» وفحواها أن العناصر التي تُكَوِّن الأمة هي العقيدة والثقافة والاعتزاز بالماضي، وفي حال لم يفقد شعب من الشعوب هذه المقومات فهو «حيٌّ ولو كان مستعبداً» ، وفي الحقيقة أن لدينا كافة عناصر هذا الثالوث «الإيجابي»، غير أنه يجب القول إن هذه العناصر الثلاثة لن تتمكن من التآلف والتوحد فيما بينها إلا في حال «واكبت» مقتضيات وحتميات الواقع بزمانه ومكانه، وأمر كهذا لن يتحقق إلا بفتح باب «الاجتهاد»..، المغلق لسرٍّ لا يعلمه سوى من أغلقه..!
|