ضمن مشاركته في ندوة (الاسلام وحوار الحضارات) ألقى د. عفيف بهنسي ورقته (من صدام العولمة الى حوار العالمية) في الجلسة الثالثة التي عقدت ظهر أمس.
وتناول د. بهنسي في ورقته من خلال المقارنة بين الحضارة المعاصرة والتجارب والممارسات الحالية كيف يمكن تحويل فكرة صدام العولمة الى فكرة ايجابية وهي حوار العالمية، وفي البداية يقول د. بهنسي:
في الخطاب العربي عن الحوار أو عن الصراع فإن الطرف الاخر الأكثر نفوذا في هذا التقابل هو الشمال (اوروبا) والغرب (امريكا) ولقد بلغ الشعور بقوة نفوذ هذا الطرف اننا كثيرا ما نتحدث عنه كأنه العالم كله.
وليس من مجال للبرهان على ان العالم ليس هو الغرب او الشمال فقط على الرغم من ضخامة حجمهما، العالم هو هذا الكون الكبير الذي يستوعب بأرضه ومحيطاته وفضائه البشر اجمعين، بصرف النظر عن كونهم من السادة او العبيد، من الأثرياء أو الفقراء، من شعوب المركز او شعوب المحيط، وهذا يعني ان العالمية Mondialisme أو Universalism هي قدر الناس جميعا، وليست هي استراتيجية مرحلية مؤقتة تسعى الى هدف محدود، فالعالمية هي البشر من حيث كونه عالماً: {يّا أّيٍَهّا پنَّاسٍ إنَّا خّلّقًنّاكٍم مٌَن ذّكّرُوأٍنثّى"وجّعّلًنّاكٍمً شٍعٍوبْاوقّبّائٌلّ لٌتّعّارّفٍوا إنَّ أّكًرّمّكٍمً عٌندّ پلَّهٌ أّتًقّاكٍمً..} [الحجرات: 13] هذا المبدأ الإنساني يحدد دور الإسلام في تقوية اواصر البشر على اختلاف أجناسهم مع التأكيد على أفضلية احترام حقوق الآخرين واتقاء الإساءة اليهم، والبشر في العالم متساوون أصلا بإنسانيتهم متقاربون في أهدافهم، يشعرون بوجودهم من خلال تفاعلهم وتبادلهم، والإنسان من أي جنس كان مركب من الخير والشر، ولكن جميع الاديان والقوانين والأنظمة الدولية تسعى لتحقيق سيادة الخير على الشر، لتحقيق حقوق الإنسان وحقوق الشعوب وإحلال السلم والوفاق والرفاه بعيدا عن الحروب والهيمنة والإرهاب والاستغلال، والقانون العالمي هو قانون الحوار بين الذاتيات المتفاعلة في العالم وليس هو قانون الصراع، هو القانون الإلهي {وّتّعّاوّنٍوا عّلّى پًبٌرٌَوالتَّقًوّى"ولا تّعّاوّنٍوا عّلّى الإثًمٌوالًعٍدًوّانٌ} [المائدة: 2] وعندما نتحدث عن حوار الجهات تحت عنوان صراع الحضارات فإن هذا الحديث يقع خارج القانون العالمي الذي يحاول النظام العالمي الجديد ان يؤوله مع الأسف تأويلاً استعمارياً عندما يتحدث عن العولمة Globalisation، وعن نظام التجارة الحرة، ونهاية التاريخ، وصراع الحضارات، وهي مقولات خبيثة تصل بنا الى القناعة الكارهة، من ان الحركة الجدلية بين القوي والضعيف، بين المركز والمحيط انتهت الى هيمنة قطبية واحدة على المحيط الذي فقد جميع مقومات وجوده، إلا من ذكريات الماضي المجيد الذي أصبح حلم المستقبل كما هو حلم الماضي.
الحديث عن العالمية يدفعنا للبحث عن جهاز ينظم الحوارات ضمن العالم ويحميها، وإذا لم تكن منظمة الامم المتحدة (دولة عليا) تقود العالم، إلا أنها مجرد مؤسسة تسعى الى تنظيم الحوار بين الدول التي تنتمي إليها، فلقد نص ميثاق الأمم المتحدة منذ مؤتمر دومبارتن أوكس (1944م) ان هدف مجلس الأمن حفظ السلم والأمن في العالم، وفض المنازعات والخلافات بين الدول الاعضاء، وواضح أن مهمة هذه المنظمة الحول دون الصراع مفسحة المجال لحوار سلمي بين الدول، ولقد نجح مجلس الأمن في حل الإشكالات بين الدول عندما كان التوازن ممكنا في اتخاذ قرار يوافق عليه الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. ولكن انهيار الشيوعية وزوال الاتحاد السوفيتي وحلول روسيا الاتحادية مكانها غير كثيرا من دور القطب الآخر في توازن قرارات هذا المجلس، وأفسح في المجال لظهور سيطرة قطب وحيد على قرارات مجلس الأمن.
وفي الوقت الذي اتجهت فيه آمال الدول لامتلاك المنظمة الدولية دورا أوسع في قيادة التوازن العالمي وفي رعاية الحوار بين الدول، أنابت الولايات المتحدة نفسها كممثلة للشرعية الدولية بلا منازع، وهكذا نرى ان هذه الدولة العظمى التي حلت محل اوروبا في اعتبار ذاتها بؤرة العالم، اصبحت قوة اهدافها هي اهداف العالم ومصالحها هي مصالح العالم، إذ أعلن الرئيس بوش عن نظام عالمي جديد ينظم الهيمنة على العالم، مما سبب استفزازاً لأوروبا التي عقدت معاهدة (ماستريخت) واتفاقية الغات وأعلنت نظام التجارة الحرة ضمن الاتحاد الاوروبي ودول البحر المتوسط، ومن جهة اخرى طالبت اليابان وألمانيا بتسميتها عضوين دائمين لهما حق النقض في مجلس الأمن.
ثمة ضرورة لإعادة النظر في بنية المنظمة الدولية وفي صلاحيتها، كي تواكب مطالب دول العالم التي تعيش على كرة ارضية واحدة بحقوق متساوية لتحقيق ما تصبو اليه من حوار متكافىء في عصر شديد التقدم.
ولعل ما أثير في نادي روما عام (1980م) من امور تحاورت فيها مؤسسات دولية ممثلة بكبار الخبراء ما يحدد معنى العالمية، فلقد انطلقت التقارير المقدمة، من مسلّمة وهي ان العالم برمته متقدما كان أم متأخراً، برجوازيا كان أم اشتراكيا، يشكل منذ منتصف القرن العشرين كلا متضامنا في المصير، فإما ان نتقدم كلنا وإما ان نتراجع كلنا، ويتضمن الحوار الذي تم في نادي روما عرضا دقيقا لواقع العالم المعاش وهو واقع (يصعب أن يطاق) كما تذكر تقارير الحوار.
لقد حاول المحاورون تقديم دراسات تحدد الأسس التي يجب ان يقوم عليها النظام العالمي الجديد، كيما ينتقل العالم من الفوضى الى التعاون والتكامل، ويرسم المحاورون في تقاريرهم الأسس الاستراتيجية التي تحقق هذا الانتقال تدريجيا.
لعل من اهم أسئلة علماء الانتروبولوجيا، السؤال التالي كيف تترابط الشعوب مع بعضها في العالم وكيف تتحاور؟ ويبدأ الجواب بنقطة مهمة، وهي لكي نتحاور يجب ان نعرف من نحن، ثم يجب ان نعرف من هو الآخر، ويصدر هذا الجواب عن القناعة بأننا لن نكون بشرا ما لم نحقق حوارا ومعاشرة مع الآخر، بدءاً من المجتمع الصغير الى المجتمع العالمي الكبير، وهذا الحوار هو الذي يحقق في بعده العريض العالم الذي ينتجه البشر لكي يعيشوا فيه، إذ لا وجود للعالم قبل البشر، فهو بيئة التفاعل البشري ويحدد حجمه وأهمية حجم هذا التفاعل البشري.
وليست تركيبة هذا العالم بسيطة، بل هي معقدة متشابكة متطورة، وتبقى المسألة الأساس في علم الانتروبولوجيا هي مسألة تنوع الذاتيات، وطريقة تفاعل هذه الذاتيات مع بعضها، على الرغم من التنوع الهائل في بنى هذه الذاتيات، هذا التنوع الذي نراه في تعدديات اللغات حتى في الذات الثقافية الواحدة، وفي تباين التقاليد والعادات والعقائد والاهداف، وهذا ما يجعل مهمة العالم الانثروبولوجي صعبة جدا، وبخاصة عند تعريفه لمعنى العالم بوصفه تحولا مستمراً، وقد يصل هذا التحول الى درجة التفجر، ولذلك كان لابد من النظر في واقع الثقافات التي لا يمكن ان يكون منشأها عذريا، اذ لابد ان تنطلق من ميلاد مشترك، وبالتالي فإن الحوار بين هذه الثقافات في العالم تبرره الاواصر الثقافية بين البشر، ولأن جوهر الثقافة كامن في التحول؛ كان التباين بين الثقافات نتيجة حتمية، دون ان يعني هذا التباين فقدان اللغة الإنسانية المشتركة التي تحقق الحوار، إذ ان التحول الثقافي والتقدم المعرفي إنما يجري بين البشر من الداخل، ولهذا يتعين علينا ان نبحث عن هذا التحول في داخل الآخر، ضمن نزعة تبادلية بين الناس، بوصفهم مستغرقين على نحو لا مناص منه، في علاقات مواجهة مباشرة مع بعضهم البعض، وفي كتاب (أنماط الثقافة) ترى المؤلفة روث بنيديكت (أن العالم أشبه بمتحف تمثل خزائنه بمجموعات من المعروضات المتمايزة والمستقلة، ولكنها متكاملة مع بعضها البعض).
لقد أبان هذا الكتاب أن التنوع واقع تحدده الطبيعة البشرية، وأن تحقيق تفاعل متسامح بين البشر يتطلب دراسة هذا التنوع، والتعمق في فهم الذات والآخر أولاً.. وصدق الله العظيم في كتابه الكريم {وّمٌنً آيّاتٌهٌ خّلًقٍ پسَّمّوّاتٌوالأّرًضٌواخًتٌلافٍ أّلًسٌنّتٌكٍمًوأّلًوّانٌكٍمً إنَّ فٌي ذّلٌكّ لآيّاتُ لٌَلًعّالٌمٌينّ} [الروم: 22]
نريد ان نخلص الى القول ان الذاتية ليست كيانا مستقلا جامدا متميزا عن الفعل والحركة والتحول، بل هي محصلة تفاعل مقومات اجتماعية وقومية وتاريخية من جهة، إن ثمة نزوعا فطريا لدى البشر للتبادل، ويمكن ان يصبح هذا النزوع عرفانيا او وجدانيا، وهذه النظرة الانطولوجية لطبيعة الوجود تفسر الى حد بعيد إلزامية التفاعل في المنظومة العالمية، ومما يعزز هذه التبادلية، هو التحول والإبداع في تاريخ الذاتية الثقافية، ويعني الإبداع عند كاريذرس في كتابه (لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة) (اكتشاف السمات التي تشكل فكرة جديدة عن التواصل البشري). وفي القرآن الكريم {وّهٍوّ پَّذٌي جّعّلّكٍمً خّلائٌفّ الأّرًضٌورّفّعّ بّعًضّكٍمً فّوًقّ بّعًضُ دّرّجّاتُ لٌَيّبًلٍوّكٍمً فٌي مّا آتّاكٍمً} [الأنعام: 165] . إن تعاقب حياة الناس على الارض ليست تكررا دون تطور إلى أعلى، والناس متفاوتون في تطورهم وتقدمهم، ويحكم تقييم المتقدمين مدى تعاونهم وتفاعلهم الإيجابي مع الآخر، والله يحاسب المتفوقين على طريقة استغلالهم لتفوقهم {إنَّ رّبَّكّ سّرٌيعٍ پًعٌقّابٌوإنَّهٍ لّغّفٍورِ رَّحٌيمِ} [الأنعام: 165]
|