Tuesday 19th March,200210764العددالثلاثاء 5 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

في ورقته التي شارك بها:في ورقته التي شارك بها:
جمال بدوي يتساءل: هل الحضارات صراع أم حوار؟!

شارك الاستاذ جمال بدوي ضمن فعاليات ندوة (الإسلام وحوار الحضارات) بورقة معنونة ب(الحضارات صراع أم حوار؟!) تحدث من خلالها عن منهج الحوار في الدولة الاسلامية فيقول:
وكان منهج الحوار وليس الصدام مع الحضارات، هو سبيل الدولة الاسلامية في التعامل مع الشعوب المغلوبة، تحت لوائها سار المسلم وغير المسلم، والعربي وغير العربي، الكل يعملون في مناخ يتسم بالحرية والتسامح والسلام والطمأنينة، وامتزجت شعوب كثيرة: اختلفت لغاتها وأديانها وعاداتها وتقاليدها، وصارت التعددية سمة المجتمع الاسلامي في الاديان واللغات والمذاهب، ونتج عن ذلك حضارة خاصة، ليست عربية خالصة، وليست إسلامية خالصة، بل حضارة سداها العروبة، ولحمتها الاسلام، تشوبها تأثيرات فكرية وثقافية، وفنية واجتماعية واقتصادية، وتطورت الثقافة الاسلامية مع الزمن وأصبحت مزجا من ثقافات الأمم القديمة كالفرس واليونان والرومان والهند والسريان، وبذلك أحيت الثقافة الاسلامية بحق ثقافات الشرق الأدنى المندثرة، وخلقت من تمازجها ثقافة جديدة.
لم تقف الفتوح الاسلامية من الشعوب المغلوبة، موقف القهر، او نفي الثقافة، او إلغاء الهوية الخصوصية لأنها لم تكن غزوا همجيا كما كان المغول، كذلك لم يحاول العرب فرض ثقافتهم بالقوة مثلما فعل الغرب الاستعماري في الشرق، وإنما حمل العرب معهم قوى بناءة من ابداعهم هيأت الساحة للحضارات التي ظهرت بعد، وتمثلت تلك القوى في:
أولا: بناء صرح الامبراطورية ذاتها ومؤسساتها، فلم يكن العرب غزاة لجمع الاسلاب على طريقتهم القديمة.
ثانياً: فسروا فتوحاتهم على أنها في سبيل الله، بما يعني اقامة نظام اجتماعي جديد، وإقامة ملكوت له مقومات الديمومة، لا يسود اقاليم مستذلة تحت القهر.
ثالثاً: في اطار الامبراطورية الجديدة تحررت ثقافات العالم القديم ومجتمعاته من سماتها المحلية، وأقبلت على تفاعل غني مثمر لم تعرفه من قبل.
لقد استجاب الفاتحون، بمجرد استقرارهم واستيعابهم للفتح سريعا للحضارات التي هزموها، وجلسوا في احترام التلاميذ طلبا للعلم بين الاقوام التي دانت لهم، و«ما كان أقدرهم من تلاميذ» على حد تعبير فيليب حتى.
كان الخليفة الأموي يزيد بن معاوية يتصدر قاعة الحكم ومن حوله العلماء والشعراء والفلاسفة من كل ملة ودين، يتحاورون ويتجادلون في كل قضايا الفكر، وكان يونا الدمشقي، أكبر فقهاء المسيحية الشرقية في عصره، يقف في حضرة الخليفة ويدافع عن عقيدته، ويرد على آراء المخالفين مفتتحا خطابه بالقول «إذا قال لك العربي كذا.. فأجبه كذا.. ويتناول في خطابه آراءه في القضاء والقدر وحرية الارادة، وأغلب الظن ان كثيرا من آرائه تسرب الى المسلمين.
وساعد زواج العرب من الشعوب الاخرى على سرعة الاختلاط بين السكان، وامتزاج العادات العربية بالفارسية والرومية، وكذلك القوانين والحكم الفارسية بفلسفة اليونان، وتأثر نمط الحكم العربي بالفارسي والروماني، كما تأثرت مرافق الحياة والنظم الاجتماعية والطباع العقلية بهذا الامتزاج الذي صار لقاحا بين العقل العربي والعقل الاجنبي، وقبل ان تدول الدولة الاموية كانت آثار القدماء تترجم الى العربية، وكان كل قوم يشاطر الاقوام الاخرى ثقافتهم، وأزيلت حواجز الانتقال، واندفعوا يتمازجون ويتزاوجون، وأصبح النظام الاسلامي الجديد اداة مزج بين الثقافات، مستفيدا من خامات التقاليد المتنوعة الخصيبة لخلق حضارة جديدة.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.comعناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved