* كتب نائل نخلة رام الله:
ودع اصدقاءه وعيناه تلمعان بالدموع التي حبسها، حرصاً على نجاح مهمته، حاملاً على كتفه حقيبة الشهادة، نحو القدس، متجاوزاً كل حواجز الموت المحيطة بالمدينة المقدسة، وعلى بعد ثلاثين متراً من منزل من جاء إلى الحكم على بقايا شعار«أطلقوا يد الجيش»، رئيس الوزراء الإسرائيلي أرائيل شارون، فجر فؤاد الحوراني نفسه، محولا جسده في لحظة في بهو مطعم«مونت» إلى شظايا تزرع الموت، مخلفاً أحد عشر قتيلاً ومائة جريح، ومخلخلاً في لحظة نظرية الأمن الصهيونية.
تسلل فؤاد الحوراني«21» عاماً، من رام الله، ليلة الجمعة السوداء، على حد وصف وزير خارجية المملكة السعودية لها، والتي قتل فيها جيش شارون 53 فلسطينياً في مخيمات طولكرم وجنين ونابلس وبيت لحم وغزة، نحو القدس ليحول سبتهم إلى أحمر.
ولد في بغداد
كالآف الاسر الفلسطينية المنكوبة والمهاجرة عام 48، عاشت أسرة الشهيد فؤاد الحوراني في بغداد، حيث ولد الشهيد في الحادي والعشرين من أيار لعام 1981.
عاش فؤاد كبقية اشقائه الاثني عشر في جو عائلة فلسطينية فقدت بيتها واملاكها ووطنها عام 48، حيث دمر الاحتلال قريتها«المسمية» ولكنها ممزوجة بأمل العودة إلى الأوطان ولو بعد حين وهو ما كان عام 1994، حيث انضم والده إلى صفوف جهاز الامن الوطني للسلطة الوطنية الفلسطينية واستقر بهم المقام في مخيم العروب جنوب مدينة الخليل.
وقد تلقى فؤاد تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس العاصمة العراقية بغداد.
وعند عودة أسرته مع العائدين الفلسطينيين بعد توقيع اتفاقية أوسلو أكمل دراسته الثانوية في قرية بيت أُمَّر شمال مدينة الخليل، وحصل على شهادة التوجيهي بامتياز وترتيب الأول على طلبة الفرع الادبي في مدرسته والتحق بكلية العلوم التربوية في رام الله ليكمل دراسته الجامعية بتخصص التربية الرياضية.
وعرف عنه انه كان من المتفوقين ويحافظ على جسم رياضي منذ نعومة أظافره، مما ساعده على أن يتفوق في تحصيله الجامعي وحصوله على العديد من شهادات التقدير والتفوق.
إمام.. ومؤذن
رغم صغر سنه، إلا أن الشهيد كان من أكثر الملتزمين بالصلاة في مسجد عمر بن الخطاب في مخيم العروب، وأكثرهم حفظاً لكتاب الله، فقد كان يؤم المصلين على الدوام رغم صغر سنه، ويؤذن للصلاة لصوته الجميل العذب، وكان لين الجانب كثير الأصدقاء، يميل إلى الصمت والهدوء دائماً، وعندما كان يستفسر إخوانه عن صمته كان يجيب بعبارته المعهودة«الصمت كبرياء، والدمع لكم وفاء»
وكان يرى الشهيد أن في الصمت القوة والعزم فلم يكن متكبراً على إخوانه بقدر ما كان متكبراً على ظروفه ولجوئه وما يحيط بالشعب من مصائب وآلام.
طلب رضا أمه قبل أن يستشهد
كان الشهيد محبوباً لأمه وإخوانه واكتسب ذلك من هدوئه ودماثة خلقه ومعاونته لأمه وتقول«شيماء» 16 عاماً إحدى شقيقاته: «كان معاوناً لامي في اعمال البيت وشؤونه إلى أن التحق بالجامعة واستقر به المقام في رام الله ويبقي أعمال البيت المفضلة لديه عند عودته من الكلية لينال رضا والديه وإخوانه، لقد كان رحمة الله عليه كثير الطلب لرضا أمه عنه».
وتقول والدته: 52عاماً: «كنت أحبه كثيرا لم أتذكر أنني غضبت عليه يوماً أو أهنته كان دائماً يطلب مني الرضا عنه بعد رضا الله عز وجل».
ولكن والدته التي أغمي عليها عندما سمعت نبأ استشهاده من الجيران تقول:«لقد اتصل بي هاتفياً صباح يوم السبت، يوم تنفيذ العملية، وقال أريد أن امضي معكم يومين قبيل بدء الدراسة ولكنه عاود الاتصال في نفس اليوم وقال أريد أن أتزوج.. ولم تكمل أمه ما قال لها ولكنها أكملت ذلك بالدموع الحارقة لتتابع شقيقته أمل«25 عاماً» بعد بكاء متواصل لم ينقطع ودموع منسكبة على وجنتيها: «الله يرحمه ويتقبله شهيداً مع الأنبياء والشهداء والصديقين ويزوجه مثلما تمنى من الحور العين، وفي اتصاله الذي دام أكثر من 20 دقيقة طلب من أمي ان ترضى عليه وسلم على أشقائه، خاصة ارقم، شقيقه الأصغر».
كان فؤاد على علاقة طيبة مع جيرانه وأبناء المخيم ولاسيما أبناء الحي الذي يعيش به في بيت مستأجر في«حي آل الطيطي» حتى إن والدته تقول: «لم يأت أحد على البيت وقرع باب دارنا واشتكى على فؤاد».
والداه واشقاؤه وشقيقاته واصدقاؤه في مخيم العروب شاهدوا فؤاد آخر مرة في عطلة عيد الاضحى المبارك، حيث شاركهم فرحتهم بالعيد وغادر إلى رام الله عائداً إلى كليته.
ودع أصدقاءه بصمت
كعادته، كان صامتاً، قليل الكلام، لا يعرف أحد من أصدقائه ماذا يفعل وبماذا يفكر.
يقول أحد اصدقائه: «وصلت عصر يوم الجمعة إلى السكن الداخلي للكلية في رام الله وتوجهت إلى قسم«د» حيث يقيم فؤاد وبعض أصدقائي، ولكنني لم أجده لحظتها وبعد عشر دقائق دخل فؤاد علينا في الغرفة، فسلم علي بحرارة كعادته واستفسر مني عن أوضاع الطرق والحواجز، ليستأذن بالخروج».
ويبدو أن فؤاد ذهب إلى عمله كالمعتاد حيث كان يعمل كحارس ليلي في إحدى البنايات السكنية قيد الإنشاء في مدينة رام الله، ويقضي ليله خارج السكن ليعود في الصباح الباكر وينام كعادته.
ويتابع صديقه أحمد حديثه عن فؤاد: «نمت تلك الليلة على السرير المقابل لسرير فؤاد في الغرفة، وفي حوالي الساعة السابعة والنصف صباح السبت دخل الشهيد إلى الغرفة، لقد كان التعب والإرهاق باديين على وجهه، واستلقى على سريره دون أن يخلع ملابسه أو حذاءه لينام لأكثر من ساعتين».
وبعد أن استيقظ الشهيد من غفوته، سأل عن الساعة، وغسل وجهه وتوضأ وحمل كيساً أسود وودعنا وخرج ولم يشاهده أصدقاؤه بعد ذلك إلا من خلال شاشات التلفزيون التي عرضت صور الشهيد فؤاد على أنه منفذ عملية القدس الاستشهادية.
ويقول صديق آخر عرف على نفسه بحرف«س»«:لقد حضر صباح السبت، يوم تنفيذ العملية، وأنا نائم وجلس على صدري.. وقبلني ومن ثم حضنني.. تركني والدموع في عينيه التي لم أشاهدها عليه قط منذ أن تعرفت عليه سنة 1997م وهو يقول: ادع لي الله أن يوفقني وذهب وبقيت نائماً.. ولم أفقده في الكلية لأنه كان يعمل بإحدى البنايات كحارس ليلي الى أن سمعنا نبأ استشهاده في حوالي الساعة العاشرة والنصف مساء.
كتائب القسام تتبناه وحماس تقيم له عرساً
وداخل المكان الذي يتوجه فيه الأهالي لتقديم التهنئة.. باستشهاد الشهداء، علقت حركة المقاومة الإسلامية حماس، يافطة كبيرة مكتوباً عليها بخط عريض: أهلا بكم في هذا العرس الكتائبي الثاني، وقدمت الحلويات والمشروبات الباردة للقادمين لتقديم واجب التهنئة بالشهيد، وهذه عادة أبناء الشعب الفلسطيني بحق الشهداء الذين يسقط أبناؤهم شهداء كما هو الحال عند شهيدنا البطل القسامي فؤاد.
وقد أصدرت كتائب عز الدين القسام بياناً هنأت فيه الشعب الفلسطيني بهذه العملية البطولية معتبرة إياها رداً أوليا على المجازر والمذابح الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني واللاجئين الفلسطينيين في مخيمات عسكر وبلاطة وجنين وطولكرم ونور شمس والدهيشة وعايدة.
|