كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن مناهج التعليم العام، فمن قائل بأنها قديمة عفا عليها الدهر، ومنهم من يرى أنها لا تسهم في إكساب الطالب القدرة على التفكير العلمي والتفكير الإبداعي. ومنهم من يقول إنها صممت بأسلوب يعزز عمليتي التلقين والحفظ التي لم تعد من مقومات التعليم الجيد في هذا العصر. ولأن التعليم العام مرتبط بالسواد الأعظم من أفراد المجتمع، والمعاناة يلمسها القاصي والداني كانت هذه المناداة بالتغيير وظهرت على السطح وتناولها المتخصص وغير المتخصص والكل أدلى بدلوه.. منهم الذي يحمل الهوية العلمية أو الهوية الاقتصادية أو الهوية الاجتماعية أو الذين أتت مطالباتهم بلا هوية.
والقائمون على الشأن التربوي في مراحل التعليم العام ليسوا أقل معاناة منا أو حماسا للتغيير، بل يسعون حثيثا إليه تحدوهم آمال عريضة للوصول إلى منهج مثالي يضع طالب اليوم في دائرة الحدث العلمي والتقني اللذين يؤهلانه للأخذ بأسباب التقنية الحديثة وسبر أغوارها وتوظيفها كما ينبغي في حياته العملية.
وإن أردت أن أدلي بدلوي في هذا الأمر وأقحم رأيي في زخم الآراء والمقترحات المطروحة على الساحة فلن أجد له مكانا مميزا أو مغايرا لما طرح من الآراء من قبل الغيورين، وإن أردت وضع تصور لمنهج اعتقد انه مميز فلن اسبق أصحاب القرار في ذلك لأن لديهم التصور الكامل والأسلوب العلمي الواقعي لمنهج الحاضر والمستقبل.
لقد قدمت بذلك فيما أسلفت لأن ثمة سؤالا يراودني وما كنت أود أن اطرحه أو ابحث له عن جواب لولا أنني سمعت نفس السؤال من رجل حمل همَّ التربية والتعليم وأعطاهما من الاهتمام والمتابعة ما جعله أهلا لما أوكل إليه من مهام تعليمية تربوية في الإدارة التي يديرها.
إن سماعي لهذا السؤال من رجل تربوي أكسبني رأياً يؤيد ما ذهبت إليه، وهو لماذا ينصب النقد على مناهج التعليم العام فقط؟. في حين انه إذا أردنا أن ننظر إلى النظام التعليمي كبنية متكاملة يجب أن ندرك أن مخرجات التعليم العام من الطلاب والطالبات سيواجهون في مناهج التعليم الجامعي ما هو أسوأ مما واجهوه في التعليم العام. فلا الخطط الدراسية في بعض الكليات ترقى إلى مستوى الحدث ولا المقررات تقترب منه. في الوقت الذي يؤمل من المقررات الدراسية الجامعية أن تواكب التطورات الراهنة وتحقق متطلبات سوق العمل طالما أن من أهداف الجامعة تأهيل الشباب وتمكينهم من العمل عند تخرجهم فيها.
أن المتابع للكتب الدراسية الجامعية التي يتداولها الطلاب يجدها كتبا قديمة أو اجتهادات فردية تفتقر إلى العمق الأكاديمي وأغلبها غير محكمة علميا، وفي حالات أخرى يعتمد على المذكرات التي توزعها مراكز خدمات الطالب الجامعي ويصبح محتواها كل متطلبات المقرر، أما معطيات عصر الانفتاح المعرفي المدعوم بقوة وهيمنة وسائل استقبال وعرض وحفظ ونقل المعلومات فقلَّ أن تجد للتعليم الجامعي حظا منها.
إن حصر تفكير الطالب الجامعي بين دفتي كتاب يضم ما اندثر أو كاد من المعلومات والحقائق العلمية أو بين صفحات مذكرة وضعت بصورة مختصرة ومخلّة، لن ترقى بالفكر الجامعي إلى ما هو مطلوب منه في عصر النظم التقنية المعقدة التي شملت جميع مناحي الحياة. وإذا كان ذلك واضحا وجليا في كليات التربية وإعداد المعلمين فسوف تكون الدائرة متجانسة ومتناغمة، فمن يعوَّل عليه التغيير والتطوير لا يملك تلك القدرة ولا حتى الرغبة لأن فاقد الشيء لا يعطيه. والله المستعان.
|