Monday 25th March,200210770العددالأثنين 11 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

بين يدي مؤتمر القمة: حقائق وآمالبين يدي مؤتمر القمة: حقائق وآمال
عبدالله الصالح العثيمين

كم ستكون فرحة المواطن العربي عظيمة لو رأى نتائج اجتماع قادة أمته في بيروت محققة لما يؤمله فيهم من القيام بعمل ايجابي فعال.
ولقد كانت مؤتمرات القمة السابقة مختلفة النتائج، سلباً وايجابا.
وكان أكثرها ذات نتائج مخيبة لآمال الامة. على ان مؤتمر الخرطوم، الذي تلا هزيمة العرب سنة 1967م، كان ايجابي النتيجة نوعاً ما، قولاً وعملاً. فقد رفع معنويات الرأي العام العربي، التي اصابها ما اصابها اثر تلك الهزيمة، وذلك بايضاحه التمسك بثوابت قضية العرب والمسلمين الاولى، وعزز هذا بدعم جبهات الصمود، مادياً وعسكرياً، لاعادة ما اغتصب من ارض، وكان من ثمار ذلك ما حققه ابطال مصر وسوريا في حرب 1973م من بطولات عسكرية وان اجهض نجاحها الاولي من اجهضه في آخر مراحل تلك الحرب، ثم آل الموقف الى ما لم يكن مؤملا.
ويأتي مؤتمر القمة، الذي سيبدأ غداً، والمواطن العربي يعيش في نظرته اليه بين عوامل الأمل في ان يرقى الزعماء الى مستوى الاحداث الخطرة التي تحيط بأمتهم، وعوامل الخوف من ان تكون نتائج اجتماعهم دون ما تؤمله امتهم فيهم. ولا اظن من يتابع مجريات قضية فلسطين، التي هي في طليعة ما سيناقشون، الا وتبدو امام عينيه الحقائق الآتية:
الحقيقة الأولى:
ان الشعب الفلسطيني احتل الصهاينة جزءاً من ارضه قبل اكثر من خمسين عاماً، ثم اكملوا احتلال هذه الارض منذ خمس وثلاثين سنة.
وكان ما ارتكبوه من جرائم ومجازر سبباً جوهرياً في نزوح قسم من الفلسطينيين عند اقامة الدولة الصهيونية حيث بقوا لاجئين يعيش اكثرهم عيشة ضنك وبؤس لو لم يكن من وطأتها الا شعور الفرد منهم بأنه لا يستطيع ان يدخل الى وطنه لكفى. وبقي القسم الآخر منهم يرزحون تحت الاحتلال الصهيوني. وكل ما سبق يعطي الفلسطينيين حق المقاومة حسب الشرائع السماوية والقوانين والاعراف الدولية على حد سواء على اساس انه دفاع عن النفس والعرض والارض والكرامة البشرية. وكل من وقف في وجه ممارسة ذلك الحق، او حاول بأي طريقة تثبيط همم ممارسيه فانه يتخذ موقفاً معارضاً لما اقرته تلك الشرائع والقوانين والاعراف.
الحقيقة الثانية:
ان المتأمل في تاريخ العالم، قديمه وحديثه، يجد ان الحقوق المغتصبة لا تستعاد الا بالكفاح، قد تختلف درجات التضحيات وفق ظروف المغتصب ومن يؤيده من قوى الهيمنة العالمية، وظروف المكافح ومن يناصره من محبي العدل والانصاف، لكن الكفاح لاستعادة الحقوق امر لابد منه ، والمثل الشعبي يقول:« ما هنا دم الا بفصد عرق».
الحقيقة الثالثة:
ان علاقة امتنا بالغرب مرت بتجارب مريرة. وليس هناك داع للرجوع الى صفحات التاريخ القديمة، مثل تلك التي دونت جرائمه في عهد حروب الفرنجة، او ما سميت بالحروب الصليبية، بل الى تأمل ما حدث خلال القرون المتأخرة، فقد مدَّ الغرب نفوذه الاستعماري البشع على كثير من اقطار المسلمين، ولم يخرج المستعمرون منها الا بعد جهاد طويل وتضحيات عظيمة، وما حدث من هولندا في اندونيسيا، ومن بريطانيا في الهند وجنوب الجزيرة العربية، وايطاليا في ليبيا، وفرنسا في المغرب العربي، وبخاصة في الجزائر، امثلة على تلك البشاعة.
على ان الاستعمار الصهيوني لفلسطين وجلاوزته من الغرب تجاوز في بشاعته كل انواع الاستعمار الذي عانت منه الاقطار الاسلامية الاخرى.
ذلك انه قائم على اساس عنصري لم يقتصر على احتلال الارض ونهب خيراتها، ولم يكتف بأن تكون له الكلمة الاولى في تسيير دفة الامور فيها، بل تجاوز هذا وذاك مستخدماً كل وسائل البطش للقضاء على شعبها، تقتيلاً وتشريداً وطمس هوية. وكان سجله الارهابي العنصري من قبل اقامته دولته في فلسطين ومن بعد اقامتها سلسلة متواصلة الحلقات. وليس ما يقوم به قادتها من جرائم بشعة الآن الا حلقة من تلك السلسلة. ومن الغباء، او التغابي، ان يقال بأن قادة هذه الدولة الارهابية العنصرية يختلفون حول اهدافها. انهم انما يختلفون حول اساليب تحقيق هذه الاهداف. ولا فرق بين شارون بكل ما يتسم به من رعونة وصفاقة وبيريز بكل ما يتصف به من خبث ومراوغة.
وكل من زعماء طغمة الليكود وكبار زمرة حزب العمل يعبرون عن مواقف الرأي العام الصهيوني، ولم يصلوا الى الحكم الا باختيار هذا الرأي العام.
واذا كان هذا هو الوضع فان من الغباء، او التغابي، ايضاً ان يفرق، في تحميل مسؤولية الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، بين قيادة الدولة الصهيونية وافراد شعبها الذين اختاروها والذين هم ذكوراً واناثاً مجندون حسب قانون هذه الدولة. ومن عجائب هذا الزمن ان يوجد من يستنكر عمليات المقاومين الشجعان من ابناء فلسطين اذا نالت من لم يرتدوا البدل العسكرية وقت العملية في حين تقتل الدولة الصهيونية الابرياء الفلسطينيين، رجالاً ونساء، شيوخاً واطفالا.
الحقيقة الرابعة:
ان الرابح الاكبر في الحرب العالمية الثانية كان الولايات المتحدة الامريكية، اذ اصبحت مؤهلة لاحتلال المركز الاول في الهيمنة على العالم.
ولقد اوضح رئيسها رزوفلت خطته لتحتل بلاده ذلك المركز بقوله: «سوف نقوم ببسط نفوذنا في العالم من خلال انشاء مؤسستين: هيئة الأمم المتحدة، والبنك الدولي». وتحققت تلك الخطة بنجاح. فأصبح مجلس الامن التابع لتلك الهيئة مجرد اداة في يدها تصرفه كيف تشاء، واصبح البنك الدولي مطية لها توجهه وفق ما تريد. على انها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي تجاوزت تلك الخط، واضحت تنفذ ما تريد من عدوان دون الرجوع الى مجلس الامن، وتفرض حصاراً اقتصادياً على من تشاء متى بدا لها ذلك مناسباً، والويل الويل لمن لا يقف معها.
الحقيقة الخامسة:
ان تلك القوة الامريكية العظمى قد نشأت نشأة تشبه في بعض وجوهها البشعة نشأة الكيان الصهيوني على ارض فلسطين، وانه مع مرور الايام وتبلور عوامل مختلفة ومؤثرة اصبح التحالف الاستراتيجي المنقطع النظير حتمياً بينها وبين هذا الكيان العنصري المغتصب. ومن تلك العوامل المؤثرة ان الملايين من الامريكيين يعتنقون مذهباً لحمته وسداه ان المنقذ المنتظر لن يأتي قبل ان يبلغ اليهود قمة نفوذهم وسيطرتهم على الآخرين. وبالتالي فان دعم هؤلاء اليهود الصهاينة ليصلوا الى تلك القمة امر تحركه مشاعر كامنة في نفوس الملايين المشار اليها. واضافة الى ذلك العامل المهم فان الصهاينة متنفذون في ثلاثة امور لها تأثير كبير وحاسم في مجريات الاحداث داخل امريكا، وهي المال والاعلام وصناعة السينما.
الحقيقة السادسة:
ان تأييد الادارات الامريكية المتعاقبة للكيان الصهيوني عريق كل العراقة. فمع ان امريكا قد دخلت الحرب العالمية الاولى معلنة ان دخولها كان «لنصرة المبادئ الانسانية التي من اهمها حق تقرير المصير» فانها كما ذكر رئيسها رزوفلت في رسالته الى الملك عبدالعزيز، رحمه الله، قد اهتمت اهتماماً وثيقاً برقي الوطن القومي اليهودي في فلسطين وكل رئيس ابتداءً من ولسون، قد عبر عن اهتمامه الخاص في مناسبة واحدة، او عدة مناسبات، بفكرة وطن قومي لليهود، وابدى سروره بالتقدم الذي وصل اليه انشاء هذا الوطن، كما عبر عن عطف الامريكيين على الوطن القومي اليهودي في فلسطين.. وانه في ضوء هذا الاهتمام راقبت الحكومة الامريكية وشعبها بأشد العطف تدرّجه، وهو مشروع لعب فيه الذهب ورأس المال الامريكي دوراً رئيسياً.
واضافة الى ذلك العامل المالي قام الرئيس زومان بضغط على بريطانيا وهي راعية بذرة الصهيونية في فلسطين التي ابتليت بانتدابها عليها لتسمح بدخول مئة الف يهودي دفعة واحدة الى فلسطين، ثم قام باغراء عدد من دول العالم، او تخويفها، لقبول دولة اسرائيل الصهيونية عضواً في الامم المتحدة.
اما ما حدث من تأييد حكومات امريكا غير المحدود للصهاينة بعد انشائهم كيانهم في فلسطين، مادياً وعسكرياً وسياسياً، فغير خاف على الجميع.
واذا كان هناك من يردد بان ادارة بوش الاب لم تتسم بتحيز فاضح لاولئك الصهاينة فان ابلغ رد عليه يمكن ان يؤخذ مما ورد في مذكرات وزير خارجيته، بيكر، الذي قال: ان امريكا قدمت خمسة اسهامات مهمة لوجود اسرائيل وامنها خلال تلك الادارة تفوق انجازات اسلافها.
وهذه الاسهامات هي:
1 تمكين اسرائيل بسياسة امريكا واموالها من استيعاب مئات الآلاف من اليهود الروس والسوريين والاثيوبيين.
2 مساعدة اسرائيل في اقامة علاقات دبلوماسية مع اربع واربعين دولة.
3 الغاء قرار الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1975م، بوصف الصهيونية بالعنصرية.
4 ان الجيش الامريكي بعملية عاصفة الصحراء لم يطرد العراق من الكويت فحسب، بل قضى على التهديد الاستراتيجي الذي يمثله ألد اعداء اسرائيل.
5 جمع جيران اسرائيل معها لاجراء مباحثات مباشرة، وهو هدف سعت الى تحقيقه اربعين سنة.
واضافة الى تلك الاسهامات الخمسة امدت ادارة بوش دولة الصهاينة بأكثر من مليار دولار نقداً، وضمنتها بعشرة مليارات انفق منها على بناء مستوطنات في فلسطين المحتلة، وكان في طليعة من نادوا بدعمها بتلك الاموال جورج ميتشل، الذي رأس اخيراً ما سمي بلجنة ميتشل، وخرجت بتصور يلهث الضعفاء من العرب وراء تنفيذه.
الحقيقة السابعة:
ان من قادة العرب المخلصين من ناشد زعامة امريكا بأن تتخذ موقفاً عادلاً يردع الظالم المعتدي وينصف المظلوم المعتدى عليه. وكان من اولئك القادة الملك عبدالعزيز، رحمه الله، الذي خاطب الرئيس روزفلت بقوله:
«نهيب بفخامتكم ونناشدكم باسم العدل والحرية ونصرة الشعوب الضعيفة التي اشتهرت بها الامة الامريكية النبيلة ان تتكرموا بالنظر في قضية عرب فلسطين، وان تكونوا نصراء للآمن المطمئن الهادئ المعتدى عليه من قبل الجماعات المشردة من سائر انحاء العالم».
على ان تلك المناشدة لم تلق اذناً صاغية، واذا كان الامر كذلك قبل ان يبلغ النفوذ الصهيوني في امريكا ما بلغه الآن فهل يظن دعاة التوسل، او التسول، الجدد ان تذللهم سيؤدي الى نتيجة ايجابية؟
الحقيقة الثامنة:
ان كل المحاولات التي بذلها بعض الاطراف العربية لاستعادة الحقوق المغتصبة عبر مفاوضات مع الكيان الصهيوني قد اثبتت فشلها. بل ان اتفاقية اوسلو رغم انها في صالح ذلك الكيان لم تنفذ من قبله.
وربما صح القول بأنها اصبحت في خبر كان، وان ما ابداه الجانب الفلسطيني الملتزم بها خلال سنوات من توقيعها من تنازلات لم تزد قادة الصهاينة الا عتواً ونفوراً، وطلب مزيد من التنازلات. ولهذا فان اي امل في ان يتخلى، اولئك القادة عن غيهم بطرق سلمية هو سراب بقيعة.
الحقيقة التاسعة:
ان ما يقال عن بوادر اتخاذ امريكا موقفاً ايجابياً ضد صلف الصهاينة، وذلك بالاعتراف بحق الفلسطينيين ان تكون لهم دولة، قول لا ينبغي قبوله بدون تحفظ شديد. فمسألة الاعتراف بحق هؤلاء باقامة دولة لهم ليست مسألة جديدة. بل ان قرار تقسيم فلسطين المتخذ قبل اكثر من خمسين عاماً قد نص على ذلك الحق. ولم يحدث ان صدر قرار من الامم المتحدة بدون موافقة امريكا. ثم ان الاعتراف الامريكي الاخير لم يوضح المدى الجغرافي للدولة الفلسطينية، وما اذا كان يشمل كل الاراضي المحتلة سنة 1967م بما فيها القدس الشرقية، ولم يبين ما اذا كانت تلك الدولة كاملة الاستقلال وما تفوه به عدد من اعمدة الادارة الامريكية لا يبشر بخير، لا من حيث المدى الجغرافي للدولة ولا من حيث كمال استقلالها.
الحقيقة العاشرة:
ان المقاومة الفلسطينية الباسلة، التي لم تصل الى مستواها مقاومة في العصر الحديث، قد اوجدت واقعاً لم يدر في خلد الكثيرين ايجاده. ان جرائم العدو الصهيوني، المؤيد من اطراف متعددة، في طليعتها امريكا حليفة هذا العدو الاستراتيجية، لبشعة وفظيعة، لكن عظمة المقاومة اقوى من كل المريدين بها شرا. ولاول مرة في تاريخ الدولة الصهيونية تحدث هجرة الى خارجها، ويتضرر اقتصادها بدرجة كبيرة، وتمتنع فئات من جنودها الاحتياطيين عن القتال في المناطق المحتلة، ويطالب اكثر من مئة شخصية بينها جنرالات بالانسحاب من تلك المناطق من طرف واحد.ولعل مما تجدر الاشارة اليه انه بعد ثلاثة ايام من بداية انتفاضة القدس المباركة هرع اخطر شخصية صهيونية واشدها مكراً وهو بيريز الى اوروبا يحث قادتها على اقناع الفلسطينيين بايقافها. ولقد وصلت المقاومة العظيمة الى ما وصلت اليه من تطور، وتركت رغم التضحيات الكبيرة في كيان الصهاينة ومجتمعهم ما تركت من اثر. واذا اتى اليوم مندوب امريكا وهي الدولة التي يصعب فصل موقف قادتها عن موقف زعماء الدولة الصهيونية ليرمي بثقله لايقاف المقاومة فانه انما يأتي لخدمة الصهاينة وان روَّج بعض المتغابين ان ذلك سيقود الى محادثات مثمرة.
تلك حقائق واضحة فما الآمال؟
الآمال من مؤتمر القمة كما جاء في بداية هذه المقالة ان يرى المواطن العربي موقفاً ايجابياً فعَّالاً لقادة أمته. وفي طليعة ما يؤمله من هؤلاء القادة ما يأتي:
1 الاصرار على وجوب انسحاب الصهاينة من جميع الاراضي التي احتلوها عام 1967م بما فيها القدس الشرقية قبل أن يتم اي سلام معهم.
2 الاصرار على حق العودة للاجئين الفلسطينيين .
3 عدم اتخاذ اي خطوة تؤدي الى ايقاف المقاومة الفلسطينية الباسلة، او تقود الى تثبيط همم المقاومين البواسل.
4 امتلاك الشجاعة بأن يصفوا تلك المقاومة، التي يغسل من خلالها ابطالها عار ذل الامة بدمائهم الزكية، بما هي عليه حقاً، وان يردوا على كل من وصفها كائناً من كان بأنها حركة ارهابية.
5 دعم المقاومة، رسمياً مع اتاحة الفرصة لافراد امتهم ان يدعموها شعبياً، بكل ما يستطاع من سلاح ومال.
6 عدم الاستمرار في الانخداع بالوعود الامريكية التي اثبتت الايام استحالة تحققها الا على حساب حق الامة وكرامتها.
7 البدء باتخاذ اجراءات فعَّالة يقدر اعداء الامة نتائجها المؤثرة، فتسهم في جعلهم ينصتون الى صوت الحق والعدل.
8 ادراك مدلول المثل الشعبي القائل:« ما جا راسك جا رجليك» بحيث يقف الجميع وقفة صمود ضد اي جهة يمكن ان تعتدي على احدى الدول العربية بحجة يعرف الكل ان من ادلة بطلانها الواضحة عدم تطبيقها على دولة الصهاينة.
وفق الله الامة، قادة وشعوباً، الى ما فيه الخير.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved