* طوكيو خدمة الجزيرة الالكترونية:
نعوم تشومسكي أستاذ علم اللغويات في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، مشهور عالمياً بأنه مبتدع نظرية «قواعد النحو التحويلي»، وهي عبارة عن اطار عام من القواعد تفسر كل القواعد الخاصة باللغة.
ومنذ اشتراكه في الحملة ضد حرب فيتنام في الستينيات، عرف تشومسكي بمشواره الطويل في نقد الولايات المتحدة وسياستها الخارجية.
تشومسكي، الذي كان يسند ظهره إلى سبورة مليئة بالرسومات عن علم اللغويات، قام باستفاضة بنقد المعايير المزدوجة للولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، وذلك في نبرة هادئة ورزينة.
وهذه مقتطفات من المقابلة:
هجمات سبتمبر
* بماذا شعرت تجاه الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر؟
لقد شعرت بنفس الاحساس الذي شعر به أي فرد آخر، فهذه كانت محاولة اجرامية غيرمعقولة وحدثاً لا يصدقه عقل، ولقد شعرت بنفس الرعب الذي شعر به كل الناس، ولكن من ناحية أخرى، لم أستطع منع نفسي من أن يكون رد فعلي مثل الكثيرين حول العالم، فهذا حدث لكم في اليابان، ولكننا معتادون على ذلك هنا في الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، كتب أحد الصحفيين في بنما في أعقاب تلك الحادثة قائلاً إننا نعلم أن هذه كارثة مروعة، ولكن في إحدى غارات ديسمبر عام 1989م قتلت القوات الجوية الأمريكية عدداً مماثلاً لهؤلاء الضحايا.
وفي نيكاراجوا في النشرة الدورية للجامعة الياسوعية في العدد الصادر في الشهر التالي لتلك الأحداث، قالت فيه إن تلك الحوادث مثل معركة هرمجدون ولكننا معتادون على ذلك النوع من المعارك، وتشير الدورية إلى الحرب الإرهابية التي شنتها الولايات المتحدة والتي قتلت فيها عشرات الآلاف من المواطنين وأغرقت البلاد في حالة من الفوضى.
مركز الإرهاب
* البعض يقول إن هجمات 11 سبتمبر الإرهابية غيرت العالم؟
لقد أعلنت الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر مباشرة، ولكن هذه كانت ثاني حرب على الإرهاب، الحرب الأولى أعلنت منذ عشرين عاماً عندما أتى الرئيس ريجان إلى البيت الأبيض وتم اعلانها تقريباً بنفس تفاصيلها، بل كان أبطالها هم نفس الأشخاص الذين في الإدارة الأمريكية حالياً، فوزير الدفاع الحالي كان المبعوث الخاص لريجان إلى منطقة الشرق الأوسط التي كانت تعتبر مركزاً للارهاب الدولي.
أحداث بيروت
* وماذا كانت أسوأ الأحداث الإرهابية العالمية في الشرق الأوسط في هذا العام في الوقت الذي كان فيه رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي الحالي المبعوث الخاص للرئيس ريجان؟
كان ذلك عندما انفجرت سيارة مفخخة في بيروت خارج أحد المساجد، والتي تم ضبط توقيتها بحيث تقتل أكبر عدد من الناس أثناء خروجهم من المسجد، فقد قتلت 80 شخصاً، وجرحت «250» معظمهم من النساء والأطفال، لقد قتلت الرضع في مهدهم، وكان ذلك حدثاً بشعاً.
ومن فعل هذا؟ كان هذا من فعل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالتعاون مع المخابرات البريطانية وللأسف فإن المسؤولين عن هذه الحادثة هم الذين يقودون الحرب الآن على الإرهاب، أما كيف يحدث هذا؟ ففي الحقيقة الاجابة غاية في البساطة، وذلك أن كلمة «الإرهاب» لا تعني «الإرهاب».
تعريف الإرهاب
* ما هو تعريفك للإرهاب؟
إن الإرهاب هو ما يقوم به الآخرون ضدنا، إنه «ارهاب» فقط في حالة حدوثه من أحد ضدنا، ولكن ذلك لا يعد ارهاباً إذا ما فعلناه نحن ضد أي أحد آخر، إنه في هذه الحالة يعد «مواجهة الإرهاب» أو «دفاعاً» أو أي شيء آخر مثل هذا. فقد صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد بوتشر أن الإرهاب يعرف بأنه قتل الأبرياء لأغراض سياسية، وأنا أعتقد أن هذا تعريف صحيح للغاية، ولكنك لا تستطيع أن تستخدم هذا التعريف لأنك إذا قمت بتطبيقه ستكون النتيجة أن الولايات المتحدة هي قائدة الإرهاب في العالم، أما الدول الأخرى القوية فهي مجرد دول ارهابية عادية. أما إذا احتكمنا إلى العدل والأمانة، فسوف نكتشف جميعنا أن الدول الأخرى هي مجرد «وكالات» للارهاب، وكلما كانت تلك الدول أقوى، كلما كثر عدد الإرهابيين، والصحافة لا تقبل هذا، والمفكرون لا يقبلون هذا، وذلك ببساطة لأنهم جميعاً ليسوا أمناء.
وتذكر أن أخطر أنواع الإرهاب هو الإرهاب الذي تقوم به الدول. وفي الواقع أنت تعرف أن هناك مقولة شائعة تقول إن الإرهاب هو سلاح الضعيف، وهذا خطأ بالكلية، فهو، مثله مثل الأسلحة الأخرى، سلاح الأقوياء في المقام الأول.
الدفاع عن النفس
* هل تدين كافة أنواع العنف؟
أنا أعتقد أن كافة أنواع الدفاع عن النفس مباحة، وأنا لست من المسالمين، فعلى سبيل المثال، أعتقد أنه كان من الصواب أن تقوم الولايات المتحدة بالرد على ما حدث في بيرل هاربر، وأعتقد أن ميثاق الأمم المتحدة يحمل حلولاً منطقية للغاية، ولك الحق في أن تشكك في ذلك، ولكنه يسمح باستخدام العنف في حالتين: الأولى: أن يتم التصريح بذلك بصورة شرعية من مجلس الأمن، الثانية: في حالة الدفاع عن النفس ضد هجوم مسلح لحين تدخل مجلس الأمن، وهذا شيء منطقي للغاية.
* ألا يمكن اعتبار رد فعل الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر عملاً من أعمال الدفاع عن النفس؟
هذا ليس دفاعاً عن النفس، عندما تقوم الولايات المتحدة بتجويع أفغانستان حتى الموت، هذا ليس دفاعاً عن النفس، عندما يهرب مئات الآلاف من مدن الأشباح التي كانوا يعيشون فيها، والتي أجتثت من فوق الأرض بعد ذلك ليموتوا جوعاً في أحد التلال هل هذا دفاع عن النفس؟
وكل وكالات الاغاثة الانسانية الدولية، التابعة للأمم المتحدة وغيرها، صرحت في حينها أن هذا سوف يضع مئات الآلاف وربما الملايين من الناس على حافة الموت من الجوع ومن آثار التعرض للعوامل الجوية والأمراض، وقد قدموا التماساً إلى الولايات المتحدة لوقف القصف بالقنابل، ولكنها رفضت ذلك.
طريقة الرد
* إذن كيف كان من المفترض أن ترد الولايات المتحدة؟
هناك طرق أفضل للرد على الأفعال الاجرامية، يمكنك أن تقرأ العدد الحالي من الجريدة الرائدة «فورين أفيرز» هناك مقال في عدد يناير بقلم مايكل هوارد، وهو مؤرخ عسكري أمريكي معروف، قال إنه في حالة الفظائع الاجرامية يمكننا أن نقوم باجراء تحقيق على غرار تحقيقات الشرطة، ولكن على نطاق دولي، لنعرف من هم المسؤولون عن ذلك، وعندما تعتقد أنك قد وجدتهم، تذهب إلى السلطات الدولية لاتخاذ الاجراءات اللازمة لاعتقالهم، وذلك باستعمال القوة إذا لزم الأمر، ثم تحضرهم للمحاكمة بعد ذلك في محكمة دولية.
وهذه هي اقتراحات تؤكد بأننا يمكن أن نتصرف كأناس محترمين، وذلك باحترامنا للقانون الدولي والتزاماتنا نحو المعاهدات الدولية، وأنا أتفق معه في ذلك، ولكن هذه الاجراءات لم تقم بها الولايات المتحدة، هذا لم يحدث مطلقاً من قبل لسبب واحد، هو أن الولايات المتحدة ترفض أن تقدم أية أدلة، وترفض أن تنساق وراء احتمالية تسليم المجرمين، فقط صرحت بقولها «سلموا لنا أسامة بن لادن» ولكن لا توجد دولة تفعل ذلك الآن لأن هذا ليس كافياً، وإذا كانت الولايات المتحدة تريد تصريحاً واضحاً من مجلس الأمن لكان يمكن لها أن تحصل عليه، ولكنها رفضت مجرد الطلب لأنها لا تريد تصريحاً، كما أنها لا تريد تسليم أسامة بن لادن، وهناك أسباب لذلك، فإذا كنت أقوى دولة في العالم، فلا بد أن تظهر ذلك للجميع، وأنك لا تحتاج إلى تصريح.
آعتبر نفسك أحد أباطرة المافيا وتريد أن تجمع أموالاً من شخص، ما، بالطبع لن تطلب ذلك من المحكمة، حتى لو كنت تستطيع أن تستصدر أمراً من المحكمة فإنك لن تطلب ذلك، لأنك لا تريد هذا التصريح، أنت تريد أن تظهر للناس أنك سوف تقوم بذلك بالقوة.
وهناك اسم لهذا في اللغة الدبلوماسية والعلاقات الدولية، هذا يسمى «إنشاء المصداقية» فما هو معنى المصداقية؟ المصداقية تعني أنه من الأفضل أن يهابك الجميع، لابد أن يخافوا من أنهم إذا لم يفعلوا ما تأمرهم به فسوف يكونون في ورطة حقيقية.
غياب المصداقية
* هل لا نحتاج إلى المصداقية في بعض الأحيان؟ كثيراً ما يطلق على الولايات المتحدة لقب «شرطي العالم».
أنت لا تطلق على المافيا «قوات الشرطة»، هل تحافظ الولايات المتحدة على النظام في العالم؟ هل هذا ما كانت تقوم به عندما غزت فيتنام، أو عندما دعمت تركيا في أواخر التسعينيات عندما قامت بذبح الأكراد، أو عندما دعمت الأندونيسيين في تيمور الشرقية، أو عندما كانت تمطر المدنيين الأفغان بالقنابل، هل هذا الحفاظ على النظام؟ إن ما يحدث الآن في العالم هو أن الدولة العظمى تفعل ما يحلو لها.
معضلة أمريكية
* وما هي أسباب هجمات 11 سبتمبر؟
بادئ ذي بدء لا بد أن نقوم بالتفرقة بين المجرمين الذين قاموا بهذا العمل، وبين التعاطف والدعم الذي يمكن أن يلقاه هؤلاء المجرمون، فهناك فرق كبير للغاية.
إن المسلمين المعتدلين في الشرق الأوسط يرددون كثيراً نفس الشيء، يقولون ان الولايات المتحدة تعارض الديموقراطية، وتدعم الأنظمة الوحشية والقمعية والفاسدة، وتقوم بمنع تطور أوجه الاقتصاد المستقل، وتقوم باجتياح المدنيين من الشعب العراقي في الوقت الذي تقوي فيه نظام صدام حسين، الكل يعلم هذا.
* إذن ما هو الحل لهذه المعضلة؟
إن الحل الأمثل هو أن نجد المجرمين، نقتادهم إلى العدالة ونعمل على حل المشكلات التي وراء ذلك، لأن هناك الكثير من المشاكل في الخلفية، مشاكل حقيقية، هناك الكثير من المظالم، ويجب أن نتعامل معها بصورة منفصلة عن مسألة الإرهاب، هذا هو الحل الأمثل.
* المصدر: موقع جريدة «جابان تايمز» |