Monday 25th March,200210770العددالأثنين 11 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

عائلة حسين أبو كويك: بعد«54» عاماً من اللجوء قضت أشلاء على باب المخيمعائلة حسين أبو كويك: بعد«54» عاماً من اللجوء قضت أشلاء على باب المخيم

* كتب نائل نخلة رام الله:
«صديقي محمد.. قبل عام من الآن وقفت معك في هذا المكان لنودع صديقنا وزميلنا في الصف أبي دراج، أتذكر؟، أتذكر اننا قلنا في وداعه قبل عام بالضبط: سنبقى على العهد ولن نخذلك» بهذه الكلمات البريئة خاطب أحد زملاء الشهيد محمد حسين ابو كويك«9 سنوات» من مدرسة المغتربين الاساسية والايدي تهيل التراب على جثمانه الطاهر البريء الذي حولته قذيفة دبابة مع امه وشقيقتيه الى اشلاء في مدينة رام الله قبل أسبوعين.
وتابع الطفل والدموع تنهمر على وجوه الرجال والنساء والشيوخ الذين احتشدوا بالآلاف في وداع الشهداء الاطفال وأمهم، حيث ووري جثمانهم الطاهر في مقبرة الشهداء بمدينة البيرة«يا محمد.. يا زميلي في الصف الرابع، ها أنا اقف الآن مع آلاف الواقفين اودعك وانت ذاهب إلى أبي وزميلنا عمر فاروق الذي كان أول شهيد في مدرستنا، بالله عليك بلغهم اشتياقنا لضحكتهم الصغيرة البريئة وابتسامتهم الوديعة».
وببراءة الطفولة وصدقها واصل قراءة رسالته«بالله عليك يا محمد بلِّغ صديقنا أبي أننا في الصف والمدرسة، طلابا ومعلمين، نتذكرهم دائما ونحبهم ونفخر بهم كثيرا، ولقد وضعنا صورهم فوق السبورة لتضيء لنا تاريخ شعبنا وتزرع الامل في نفوسنا، ابلغه انني ازور قبره باستمرار، وازرع عنده وردتين ودمعتين..»
في مكان ما من المخيم.. التقيناه
لم تكن تعلم اسرة حسين ابو كويك، احد نشطاء حماس والمستهدف في عملية الاغتيال، ان الاحتلال سيلاحقها الى مخيم الامعري، يوم الاثنين، من شهر اذار لعام 2002 وبعد 54 عاما من اللجوء، بقذيفة دبابة تربص في محيط مستوطنة بسغوت شرق رام الله، حولت سيارة العائلة الى ركام وتناثرت اشلاء الام وابنائها عزيزة«15عاما» وبراء«14عاما» ومحمد«9 أعوام» عشرات الامتار في تلك المنطقة على مشارف المخيم.
عائلة ابو كويك التي خرجت لتوها من لجوء الى لجوء، تعود اصولها إلى مدينة اللد التي شردت منها عام 1948، مع آلاف الفلسطينيين،حفاة عراة، يتقاسمون رغيف الخبز، ويتناوب الاب مع ابنائه على لبس الحذاء، ويبحثون عن مكان آمن ينجيهم من جرائم العصابات الصهيونية.
دخلنا أزقة كثيرة، وتنقلنا بغير ارادتنا من حارة إلى حارة تميزت ان كانت هناك شيئا تتميز فيه غير مياه القاذورات والمجاري بوجوه اطفال بريئة جميلة تزاحم زحمة البناء في مساحة صغيرة يلعبون فيها ويلهون، حتى وصلنا من المخيم إلى مكان ما، ومنزل ما، وغرفة ما.
كان هادئا، استقبلنا بابتسامته المعهودة، يسلم علينا بحرارة، ويمسك بيده مسبحة، لسانه دائم الاستغفار والحمد، يجلس على كرسي متواضع في غرفة ضاق بها ثلاثة اسرة لاطفال صغار، ويزينها لوحة كبيرة علقت على أحد جدرانها جمعت داخل حدودها صور زوجته وابنائه الشهداء.
حيث يجلس الشيخ حسين ابو كويك«47» عاما، احد قيادات حماس الفاعلة في مدينة رام الله والذي حاولت اسرائيل اصطياده قبل عدة أيام، الا انها فشلت، عدا انها قتلت زوجته وخمسة اطفال، ثلاثة منهم ابناؤه.
اسمي حسين محمد حسين ابو كويك، ولدت في عام 1956، اعمل في مجال الاعمال الحرة، اصولي تمتد من مدينة اللد التي هجرتها عائلتي كبقية الاسر الفلسطينية، بادرنا الشيخ ابو كويك بالحديث عن نفسه.
كانت عائلة ابو كويك من كبرى عائلات مدينة اللد، وتملك مساحات واسعة من الاراضي والبيارات والسهول، ولكن الرعب والدم الذي اشاعه قتل 70 من ابناء المدينة في مسجد دهمش على يد العصابات الصهيونية دفعهم إلى الرحيل وترك كل شيء على امل العودة.. الذي ما زال معلقا حتى اليوم.
عاش الشيخ ابو كويك 13 عاما في غرفة واحدة، جدرانها طينية وسقفها من الصفيح، مع ثلاثة عشر فردا هم اشقاؤه ووالداه بجانب مسجد عبدالناصر وسط رام الله، وعاشت الاسرة في فقر مدقع، يقول ابو كويك.
الكثير من المشاهد مازالت عالقة بمرارتها وقسوتها في ذاكرة الشيخ ابو كويك«عائلات كبيرة تتكدس في غرف صغيرة، شظف العيش، فقر مدقع، حفاة عراة، كان والدي يتناوب مع جدي على لبس الحذاء..» في هذه الاسرة نشأ وترعرع حسين.
ببراءة الطفولة، كان حسين«الشيخ المطارد الآن» مع بقية أبناء مخيمه الصغير يعتقد ان العالم كله يعيش ذات الحياة، ولكن مع سماعهم للقصص التي كانت تسردها على مسامعهم عجائز الصفيح عن منزلهم ومدينتهم وأراضيهم التي تركوها خلفهم، ادرك الاطفال انهم يعيشون حالة اسمها النكبة ويسمون هم، بجدارة، باللاجئين.«زرعوافي قلوبنا حب العودة الى الارض والبيت، في الوقت الذي كان كرهنا لليهود يتغلغل الى اعماق اعماقنا» يقول الشيخ ابو كويك.وتلاشى حلم العودة مع نكبة جديدة عام 67، فرحلت العائلة الى مشارف مخيم الامعري الآن، وشيدوا منزلا متواضعا، وواصل ابو كويك، بكر ابيه، تعليمه بتفوق في مدارس الوكالة الى ان اضطرته الاوضاع الاقتصادية لاسرته لترك دراسته والانتقال الى سوق العمل.
نوازع المقاومة
عامله مشغله اليهودي في القدس المحتلة على انه دون، لا يستحق الحياة، خلق فقط من أجل خدمة أبناء يهود، فكان يتربع على قلبه، حقدا على حقد، وكراهية على كراهية، حتى ان جل تفكيره كان صوب الانتقام.في الوقت ذاته كان حسين، يتشرب مبادىء دينه في مسجد المخيم، يقرأ القرآن والسيرة النبوية، ويطلع على الكتب الإسلامية، ويعرف واجب المسلم تجاه دينه وشعبه ووطنه ومقدساته، وأصبح أكثرا فهما لطبيعة الصراع القائم بيننا وبين اليهود«فتحركت نوازعي نحو المقاومة والجهاد» كما يقول.
عام 1979، بدأ العمل مع مجموعة من شباب المخيم، كان الهدف مقاومة الاحتلال ورد جزء من الظلم الواقع على أبناء شعبه، ويقول حسين ابو كويك«كنا نشعر ان كرامة الانساني الفلسطيني مسحوقة، فكان لا بد من عمل شيء».وما حدث كان ثورة في داخله مع بقية رفاقه، ثورة على الواقع، على الذل والاهانة والاحتلال، ونفذوا سلسلة عمليات ووضع عبوات ناسفة في اماكن عامة وبعض المقاهي يتردد عليها ضباط مخابرات كان ابرزها وضع عبوة ناسفة في محل تجاري في منطقة التلة الفرنسية بالقدس المحتلة.
عام 1980، اعتقل ابو كويك مع افراد مجموعته الثلاث من بينهم فتاة، وحكم عليه 18 عاما قضى منها خمس سنوات بعد ان افرج عنه بعملية تبادل اسرى عام 85.
شهد الاعتقال الاول نقطة تحول في حياته، اذ يعتبرها من اجمل ايام حياته، فحول اعتقاله الى جامعة، وانتسب بالجامعة الإسلامية، واطلع على ادبيات الاخوان المسلمين، وحفظ ثلثي القرآن الكريم، واصبح اكثر وعيا بدينه وبقضيته.
بشرى الخير..
وفي الايام الاخيرة لاعتقاله، بدا ابو كويك يفكر بالزواج لحظة خروجه من السجن، وفي احدى الليالي، كما يقول،«سمعت اسم«بشرى»، وبالفعل بعد عدة اشهر من خروجه، كان الزواج من بشرى والتي لم يكن يعرفها او يسمع باسمها سوى في تلك الليلة،«وكانت بشرى الخير،،، كما يقول ابو محمد، اذ رزقه الله منها بخمسة اطفال هم: سندس«16»عاما، عزيزة«15»عاما، براء«14» عاما، محمد«9 أعوام» وحافظ«6» سنوات.فكانت نعم الام والزوجة، مثار اعجاب كل من حولها، كما يخبرنا زوجها، صابرة على الابتلاءات، ثابتة في الشدائد، وبالفعل وجد ابو محمد بشرى الخير، خير معين في سني سجنه وابعاده.ويقول ابو محمد وكل تفاصيل وجهه تنضح بالحزن الذي يشعر به وهو يتحدث عن ام محمد، زوجته،«عشت معها 17 عاما، نعم الزوجة هي والام الرؤوم، كانت تشجعني وتدفعني نحو الخير والعمل، ولم اسمع منها يوما كلمة زجر أو تأنيب، فكانت خير مرشد ومعين».
ابو كويك.. وحماس
انضم ابو محمد الى صفوف حركة حماس عام 78، والتي كما يقول توافقت في بعدها الإسلامي وحملها للهم الفلسطيني مع افكاره وتصوراته لكيفية حل القضية الفلسطينية.
وسرعان ما برز كناشط فاعل في المجال الدعوي والجماهيري، كان خطيبا مفوها ومتحدثا لبقا، زار كل المساجد كخطيب متطوع، يلقي الدروس والمواعظ، يدعو الناس الى الجهاد والمقاومة والصبر.واتجه نحو العمل النقابي، فكان أول من اسس النقابة الإسلامية في رام الله عام 92، وبقي رئيسا لها حتى عام 97.
عام 91 ابعد مع 400 قيادي من حماس والجهاد الإسلامي الى مرج الزهور، الا ان قوات الاحتلال اختطفته من احد مستشفيات الجنوب لتودعه السجن لستة شهور اضافية.عمل في الاعوام 93،94،95، كأحد الناطقين الاعلامين لحركة المقاومة الإسلامية حماس في الضفة الغربية.
انتفاضة الاقصى.. نقلنا الحزن إلى مدنهم
وجاءت انتفاضة الاقصى ودخل معها الشعب الفلسطيني مرحلة جديدة من الصراع مع الاحتلال بعد عشر سنوات من المفاوضات لم تؤد الى شيء.يقول الشيخ حسين ابو كويك«استشعرت ان هذه الانتفاضة ليست وقتية، بل ستكون المحطة الابرز في تاريخ النضال الفلسطيني، وعليه قلت لاخواني في الحركة انه لا بد من دخول حماس بكافة ثقلها في فعاليات الانتفاضة، والعمل على تعبئة الشارع الفلسطيني على خط المقاومة».ويضيف ابو كويك«اقترحت في اجتماعات داخلية عقدتها الحركة ان نسعى إلى تشكيل جسم يجمع حوله كافة القوى الوطنية الفلسطينية الفاعلة، والعمل بقوة لتجاوز سقف أوسلو، ودفع الفصائل الفلسطينية للانحياز لخيار المقاومة وحسر التيار المؤيد للتسوية».ويرى ابو كويك على الرغم من ضعف الامكانيات لدى الشعب الفلسطيني إلا ان المقاومة تمكنت من إيجاد توازن الرعب مع الصهاينة ويقول«عمليات المقاومة، وتحديدا، العمليات الاستشهادية ادخلت الرعب الى قلوبهم، ولم يعد عدد القتلى مقتصرا على الفلسطينيين، بل نقلنا الحزن والبكاء والدم الى قلب الدولة العبرية».ولا يخفي ابو كويك دعمه وحماسته للمقاومة الفلسطينية التي قلبت الموازين والتي بفضلها يعيش الشعب الفلسطيني المرحلة الأخيرة من مراحل تقويض الكيان الغاصب الذي قام على اشلاء الناس واراضيهم وبيوتهم وقراهم.
ويتحدث الشيخ المجاهد عن دوره في انتفاضة الاقصى مؤكداً انه يقتصر عمله في المجال الجماهيري والسياسي في داخل اطر حركة حماس.
وحاول ابو كويك ان يتخذ بعض الاجراءات الاحترازية خاصة بعد وصوله عدة تحذيرات من استهدافه من قبل قوات الاحتلال، فغيّر مكان اقامته، وقلل من تحركاته وغيرها من الاجراءات البدائية.وقال الشيخ حسين ابو كويك«لقد تلقيت على هاتف المنزل عدة مكالمات تهديد من جهات مرتبطة بالمخابرات الصهيونية تتوعدني بالقتل والاغتيال، وكان آخرها مكالمة وصلتني الى البيت قبل الحادث بأسبوع يهدد صاحبها عائلتي بالبكاء دما، وكانت قد نشرت وسائل الإعلام العبرية صورا لي وقد وضعت حولها دائرة».

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved