Monday 25th March,200210770العددالأثنين 11 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

الرئة الثالثةالرئة الثالثة
تلك كانت كارثة..فهل من مدّكر!
عبدالرحمن السدحان

كلُّنا، أممٌ وافرادٌ، مرشحون للكوارث، سواء الطبيعية منها او المحدثة بفعل فاعل، او الناشئة بسبب خطأ بشريّ ناجم عن اجتهاد او جهل او كليهما. ومواجهة مواقف كهذه، عدا الكوارث الطبيعية التي لا حول للمرء عليها ولا طول، تتطلّب قبل كل شيء، شجاعةً نفسية لكشف المستور، وتتطلّب بعد كل شيء، تحريّاً دقيقاً لمعرفة السبب، ومساءلة المتسبب عما حدث.. وإيقاع الجزاء العادل عليه، ردعاً له كيلا يكرّر ما فعل،ووقايةً من الآثار المترتبة على ذلك الفعل.
**
وأجزم أن كارثة المدرسة المتوسطة بمكة المكرمة، يجب ألا تمرّ دون حساب او عقاب، وهي مسئولية أمة بكاملها،لا فرد او افراد، وهذا ما عناه سمو ولي العهد ايده الله معلقاً على الحدث المريع، حين طلب من كل من يعنيه الامر تحمل مسئوليته كاملةً ابراءً للذمة، واحقاقاً للحق!.
**
لقد قرأت جلّ ما كتب عن الكارثة، عرضاً وتعليلاً وتحليلاً، فوجدت أن كلا ممن كتب قد ذهب مذهباً يعنيه، وفي الوقت نفسه، حاول البعض تعليق الخطأ على شماعة ما، وتحميلها وزر ما حدث، بدءاً بالرئاسة العامة لتعليم البنات، مروراً ببواب المدرسة المنكوبة وخادمتها، وانتهاءً برجال هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين تروي بعض التقارير الصحفية انهم منعوا خروج الطالبات الهاربات الى الشارع بلا ستر، وردعوا فرق الانقاذ من دخول فناء المدرسة للعلة ذاتها!.
**
وتعليقاً على هذا الحدث، وما قيل وكتب عنه، اقول:
أولاً: مهم جداً معرفة السبب الحقيقي لاندلاع النار في مدرسة البنات بمكة المكرمة، والمتسبب فيها، لكن الاهم من ذلك كله، عدم استعجال النتائج او استباقها او استنباطها، فتلك امور دقيقة يتعذر معرفتها والحكم عليها عن بُعْدٍ، ولابدّ إذن ان ندع التحقيق يكمل مساره الميداني والموضوعي حتى النهاية، وتعرف نتائجه، ثم تتخذ بعد ذلك القرارات الرادعة في هذا الصوب.
**
ثانياً: من الضرورة بمكان توفير مناخ من «الحيدة» الكاملة في التعامل مع التحقيق، آليةً ومضموناً، خشية تدخل اطراف او افراد قد يؤثرون على مساره ونتائجه، لمصلحة احد، كائن من كان!.
**
ثالثاً: ان المؤمن الحق يسلم بالقدر، خيره وشره، لكن هذا لا يعني اطلاقاً تمييع التحقيق او تهوينه او الاسترخاء فيه، بحجة ان ما حدث كان قضاءً وقدراً، فالله ما خلق شيئاً عبثاً، والكارثة التي حاقت بسنابل مكة البريئات لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة تراكمات من الاخطاء الفنية والمالية والادارية.
**
رابعاً: اعتقد ولا ازعم اليقين ان مجموعةً من الاسباب والظواهر المتعلقة بهذا الحدث وامثاله ستظل رهن البحث زمناً طويلاً، من بينها، تمثيلاً لا حصراً:
أ الوضع المؤسف لكثير من المرافق الحكومية المستأجرة، مدارس كانت او مستوصفات او ادارات او فروع وزارات ونحو ذلك، مما لا يليق بسمعة هذه البلاد وكرامة إنسانها، واشتبه في وجود قدر من «العشوائية» وآخر من «الهوى» يكيّفان آلية اختيار بعض المباني الحكومية المستأجرة وتحديد اجورها في اكثر من مدينة وقرية، وهو امر يتطلب مراجعةً دقيقةً، سواءً فيما يتعلق بالنصوص النظامية المكيفة له، او بآلية التنفيذ له، او بكفاءة ونزاهة بعض المنفذين!.
ب البطء المتكرر في أداء بعض الاجهزة الخدمية ذات الولاية على مصالح الناس، والاهمال في التعامل مع قضاياهم، وما يرتّبه ذلك من عنت واحباط لشريحة عريضة منهم، ويزيد الامر ايلاماً محاولة ذي مصلحة او نفوذ او كليهما في احد هذه الاجهزة او بعضها التماس «العذر» لتلك السلبيات، او «تمريرها» الى جهة اخرى، حتى يكشف عنها الغطاء عبر كارثة كهذه!.
ج هناك من قد لا يبرئ ذمم بعض مسئولي «الادارة الوسطى» في بعض الاجهزة الحكومية، فهم اهل «الحل والعقد» في الكثير من امورها التنفيذية، وهم الذين يعقدون الصفقات، ويبرمون العقود، ويوقعون «المستخلصات»، ويعدون «اوامر الدفع» تحت سمع وبصر النظام ووفق نصوصه واوامره ونواهيه، لكنهم رغم ذلك يملكون من الحيل واساليب المكر البيروقراطي ما يمكّن بعضهم من «اختراق» بعض النصوص النظامية تمريراً لما ينفعهم ولا يضرّهم!.
**
د تهميش او تعطيل آلية الحساب والعقاب، لمن فرط في أداء واجبه عمداً او تجاهلاً، ومحاولة «التستر» عليه داخل عباءة «الظروف» او ترجيحاً لمقولة «قطع الرقاب ولا قطع الارزاق»!.
خامسا: وأخيراً.. هل كنا في حاجة الى كارثة مدوية كهذه كي تصحو ضمائر بعض قطاعاتنا الادارية من «غيبوبة» الاهمال، وتسارع الى اصلاح ما عطب، علاجاً ووقاية؟! وأحسب ان كارثة حريق مكة قد قرعت اكثر من جرس في اكثر من مستوى ومكان، وبات علينا جميعاً اتخاذ اجراءات جريئة وعادلة وعاجلة تقوم على مجموعة من الأسس، اهمها:
أ الاعتراف بدءاً بالخطأ حيثما كان، مستوىً ومحتوىً، والنتائج المترتبة عليه، وعدم «تبريره» او «تمريره» او التنصّل منه.
ب محاسبة المسيء حساباً رادعاً وعادلاً.
ج الالتزام قولاً وعملاً، بما جاء في نداء سمو ولي العهد ايده الله، فتصحح اخطاء الجهاز، ظاهرها ومستترها، اولاً بأول، وتتخذ اجراءات «الوقاية» منها كيلا تتكرّر.
فالعمل الطيب جزء لا يتجزأ من معادلة تقوى الله وديننا الحنيف يقوم على دعامتي العبادات والمعاملات والتقصير في اداء احداهما يؤثر سلباً على الأخرى!.
* وقبل الختام، اقول: ربّ ضارة نافعة، فماحدث في مكة المكرمة رغم فداحته، «درس» قاس ومفيد معاً للامة كلها، واستشهد في ذلك مرة اخرى بحديث سمو ولي العهد ايده الله، ولذا ارجو أن يظل ملف «اصلاح الادارة الحكومية» مفتوحاً على مصراعيه زمناً طويلاً، حماية، لمصالح الأمة ودرءاً للاخطاء والاخطار الناجمة عنها. والله ولي التوفيق.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved