منذ طفولتي وأنا أسمع عن رجلٍ من الأخيار في مجتمعنا السعودي، مشهورٍ بالزهد، والورع، والبساطِة، وعدم الإقبال على الحياة ونكران الذات.. بل أصبح مضرب المثل في التواضع وعدم الاغترار بالمناصب، والوجاهة، والشهرة.
لم أقابل في حياتي معالي الشيخ صالح بن عبدالرحمن الحصين رئيس شئون الحرمين الشريفين الجديد ولم أشرف بالحديث معه، ولم أعايش هذا الرجل في أي موقف.. لكنّ سمعتَه الطيبة، والغرائب النبيلة التي أسمعها حوله جعلتني أحبّ هذا الرجل وأحترمه، وأقدره لأنه يعيد إلينا القدوة، ويزرعُ في داخلينا الأمل، ويجدّد في مجتمعنا الرجل الرمز، الذي يتسامى عن ترّهات الحياة وإغراءاتها الزائلة بل ويجعلنا نفاخر بأن لدينا رجالاً سعوديين بهذا الحجم، وبهذا القدر من القوّة والثقة بالنفس.
ذلك أن هذه الأرض معطاءة فهي التي ولد فيها نبي الهدى صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الأربعة، ورجالات المجد الإسلامي، كخالد بن الوليد ومحمد بن القاسم، وأبوعبيدة وغيرهم... ونحن الشباب بحاجة ماسةٍ إلى القدوة التي نقتنع بها، ونثق بها لنسير حولها محتذين ومحبين. ومما قرأته عن هذا الرجل الصالح «والاسم على مسمى» ما كتبه معالي الأستاذ الفاضل وأديب الجيل عبدالعزيز بن عبدالله السالم في مقالته بجريدة الرياض الزميلة يوم السبت ما قبل الماضي عن الشيخ صالح الحصين موضحاً ما خفي على القارىء السعودي والعربي عن حياة هذا الشيخ الزاهد الذي يبتعد عن الأضواء، وقنوات الشهرة والتلميع، لقد وضح الأستاذ السالم كل شيء عن حياة الحصين، ودراسته داخل وخارج المملكة وطفولته، وحياته العملية، وثقافته، وتصرفاته ونظرته للحياة وأعماله التطوعيّة، وتميّزه في أعمال اللجان الوطنية المهمة، وزهده وأشياء كثيرة من صفاته يقول الأستاذ السالم: «واذا كان قد ترك المناصب، وتخلى عن المسئوليات الحكوميّة فإنها ما تركته ولا تخلّت عنه، فقد جرى تعيينه عضواً بالمجلس الأعلى للخدمة المدنيّة إلى جانب عضويته في عدة لجان، والعجب لا من اختياره عضواً في هذا المجلس واللجان الأخرى، وإنما العجب أن يحضر هذه الاجتماعات من مقره في المدينة إلى الرياض على حسابه الخاص، ويقيم على نفقته بالرياض وهو لايقبل أي مصاريف سفريّة أو مكافأة مادية. ويحدث في بعض الأحيان أن يتكبّد مشقة السفر بين البلدين، فيفاجأ بتأجيل اجتماع المجلس أو بعض اللجان التي جرى تحديد موعد حضورها ثم طرأ ما استوجب التأجيل. مما يترتب عليه إهدار وقته وتكلفه عناء السفر مادياً وجسديا، ومع ذلك فإنه لا يتذمر، ولا يقاطع الجلسات التالية بل إنه لا يُشعر أحداً بما حدث من عدم اهتمام بإبلاغه بإلغاء الاجتماع المحدّد، وهي ميزةٌ لا تتوافر إلا في القليل من البشر».
هذا ما يقوله معالي الأستاذ السالم عن الرجل وهو بلاشك من مجايليه ومحبيه، وأصدقائه ومن الذين زاملوه في مناح كثيرة...
إنه بالفعل كما يقول السالم «يحاول أن ينقل أفراد المجتمع من حوله إلى عصرِ روحاني «حافل بالشفافية والتسامي وذلك بالاستعلاء على المادة التي يتنافس عليها المتنافسون والمصالح التي يتبادلها المنتفعون».. أشكر الأستاذ السالم على وفائه ومعلوماته، وكرم أدبياته النبيلة تجاه هذا الشيخ الجليل وليس هذا بمستغرب على أبي عصام..
* * * *
وما دام الحديث عن الرجال في وطننا، وعن الوفاء، وأصحاب القيّم النبيلة فإنني سوف أربّتُ على أكتاف رجلٍ أعرفه تماماً، فأدعو الله له بالتوفيق لماذا؟.
لأنه وفيّ مع والدته حتى أخذها الله إلى رحمته، وفيّ مع والده الذي ينوف الآن على التسعين «وهو ولده الوحيد»، وملازم له في حلّه وترحاله في مسجده، وفي طريقه ومناسباته الاجتماعية، في كل مكان يحّل فيه لم ينس أباه رغم كثرة أولاده ومشاغله هذا هو البّر والوفاء يارجال!!.
إنه وفيّ مع وطنه، قضى أجمل عشرين عاماً من عمره بعيداً عن أقاربه أو أخواله وأعمامه تلبية لنداء عمله ومسئوليته كوكيل لإمارة المنطقة الشرقية، ورغم بعده الجسمي الحسي إلا أنه قريب منهم في أوضاعهم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، يساعد فقيرهم ويقدرّ كبيرهم ويجمعهم على الخير والمحبّة ويدعوهم إلى القرب إلى الله، ويعتبر على كيد حاسديهم فلا يخرج منه الا ما هو طيب. متواضع مع الصغير، والكبير، متفانٍ في تطوير المنطقة التي يعمل بها، يساهم بخبراته، وبجاهه وبماله لكل أعمال الخير والبّر.. أحبَّه الذين عرفوه ذلك أنه يحسن إليهم كما قال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
طالما استعبد الإنسان إحسان
هذا الرجل هو سعد بن عبدالعزيز العثمان وكيل إمارة المنطقة الشرقية.
الحمد لله. لدينا نماذج تحتذى وينبغي للإعلام بجميع قنواته أن يتعرف عليها، ويقدمها للمجتمع للاقتداء بهم، والاحتذاء بحذوهم للوصول إلى مجتمع راق متسامٍ، رشيد، والله المستعان.
ص.ب.90155 رمز 11633 الرياض |