Wednesday 27th March,200210772العددالاربعاء 13 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

(رسالة إلى القمة)(رسالة إلى القمة)
جانبي فروقة

ترنو عيون كل العرب خلال هذه الايام القادمة الى بيروت وهي تحتضن بين ثنايا أرزها القمة العربية في استجداء اليتيم لمعجزة تنتشله من ظلام الواقع الذي يعيش فيه، بعد ان اشتدت يد القدر في عصرها لبراعم الأمل من فلسطين؟ لتجتث هذه البراعم من تربتها غضة يافعة طرية ولتسق أشجار النفوس بالدم ليترعرع في خلدها الحقد والغضب الخالد. ما سأقوله يمكن ان يثير سخط الكثيرين ولكن لطالما كانت الحقيقة هي الأذى والرعب من صحة إيماننا المزيف. وكثير من الحقائق يجب أن تراها من بعيد كما ترى اللوحة الجيدة من بعد..
لم يكن أبدا تاريخ العرب الحديث مسرحا للسعادة، وفترات السعادة فيه صفحات بيضاء فارغة، لا نريد لأطفالنا أن ينمو الحقد في نفوسهم فيفترش الشوك صدورهم ونجني على مستقبلهم. لا نريد أن تحصدهم رصاصات الغدر من بنادق اسرائيل، لم يعد يجوز لنا تخطي الواقع الى أباعد ضبابية تجعل من خيار شمشون احتمالا دائما يلوح في الأفق فنسمح أن نقدم اطفالنا كقرابين لقضايانا وقناعاتنا ولا يجوز ان يسمح العالم وأمام مرأى من عينيه ببطش اسرائيل وقمعها وهم يسومون أبناء فلسطين سوء العذاب.
نريد أن نجنح للسلم ويجنحوا معنا نريد مستقبلا مشرقا وأفضل لأطفالنا.
نريد للقمة عنوان (الأمن لباسا والسلام سباتا والحرية معاشا) فكيف سيستطيع القادة والزعماء (وهم العازفون الوحيدون الذين يستطيعون ان يخرجوا الأمة من طمأنينة الماضي إلى سطح المستقبل) من حل هذه المعادلة ذات المجاهيل الثلاثة (الأمن الذي يتحقق بالقوة الاقتصادية والسلام الذي يتحقق بضمان الحقوق المشروعة والحرية التي تتحقق بممارسة الديمقراطية وفك القفول عن الأفواه وعدم كم أفواه تلك الاصوات الريحية التي تحمل في طياتها أمواج التغيير، والغريب الحاصل أن الكثيرين من المنادين إلى الحرية هم أنفسهم لا يطيقون النظر إلى قفص فارغ وما هي الطرق الأسلم لتعبيد الطريق الى الوحدة العربية وإخراج ملفها الذي علاه الغبارمن الخزانة وإعادة إحيائها، فالوعي للوحدة سيقوِّم كل السلوكيات ويساهم ببناء مستقبل مشرق، وفي رصدها أستذكر شوبنهاور عندما اشار في مقال عن الشهرة في (حكمة الحياة) إلى كتابه العظيم (العالم كإرادة وفكرة) هذا بحرقة وأسى بقوله: (إن كتابا مثل هذا أشبه بمرآة إذا نظر فيها حمار فلا نرجو أن يرى ملاكا وهل إذا اصطدم رأسي وكتاب وانبعث عن احدهما صوت أجوف أيكون الأجوف هو الكتاب دائما وهل الوحدة العربية هي جوفاء دائما؟
لقد كانت الوحدة العربية تطرح قديما بنرجسية جمدت من أطرافها وكانت المغالطات المنطقية في تنفيذها ليس سببها عجز مقوماتها بل الحدود التي يستند إليها في تفسيرها ولم يعد العرب يتناولونها حتى وبعد أن شاهدوا تجربة الوحدة الأوربية عنوان شاهد قبر العصور المظلمة واتحدت الدول الأوربية مع بعضها متجاوزة تركة من الأحقاد والخلافات على مر العصور، ببساطة توحدت أوربا على مصلحتها ولطالما كانت تملك كل دولة منها حلم السيادة والريادة للعالم ولكن الغاية الكبرى في التوحد قامت على التنوع وليس الواحدية ويمكن لهذه البرمجة الاوربية وهذا التنوع أن يؤمنا التباين ويقودا لتفعيل الوحدة والازدهار، فأين نحن الآن من موائد هؤلاء العظام وسنن اللئام؟ وإلى متى سنبقى كالأيتام؟
لقد طالت مدة خزن فكرة الوحدة العربية والمخزون يفقد نضارته وطاقته شيئا فشيئا إذا طالت مدة الخزن وأكثر ما ينطبق هذا على الافكار وإلا ستكون الأفكار كالنبيذ.. كيف ولماذا لا يستطيع العرب أن ينسخوا تجربة الأمريكان في خلق أحواض وكنتونات فكرية (Think Tanks) تحت لواء الجامعة العربية (وهي ما زالت في طور الحبو رغم عمرها الزمني ولما نراها واقفة تمشي على رجليها) يضم كل حوض ذوي الخبرة والاختصاص والاهتمام والعقول من كل فئات الشعب العربي وبتنظيم عال تحاول التفكير في حل مشكلة، معضلة سواء كانت سياسية بشعابها أو اقتصادية بأركانها أو اجتماعية بتجلياتها وغيرها من مشاكل.. مهما كبرت أو صغرت، وتقدم حلولا موضوعية ومقترحات تنساب بتسلسل هرمي ضمن الجامعة العربية لتصاغ في قوالب قانونية وتسن في تشريعات تخرج على الملأ بفجر شمس جديد، إن رصد المشكلة ومن ثم تعيين وتوجيه الاختصاصيين لحلها هو لب الحل.. ما يجب ان نعيه أن وعينا يغير العالم بتغييره إيانا والوعي ينضج بنار المحن، إنه ببساطة يؤثر في كيفية تخميننا للمستقبل ورسم آفاقه وهو يفعل ذلك بتغييره لدواماتنا الفكرية التي طالما أسرت ووأدت الكثير من الأفكار العظيمة وهي مازالت في رحمها الفكري.. ما قلته وسأقوله يمكن ان يصعق ولكن الحقيقة تجود بأنه يجب ان نعطي كل فكرة حقها في ان ترى النور لتنبثق ولا نخاف من الأفكار لأن الحكمة الإلهية والتجارب تنبئنا بأن الفاسد من الأفكار يذوي مع الزمن وما ينفع العالم سيمكث في الأرض.
لا نريد أن يجترع اطفالنا الحقيقة المرة للصراع وتاريخه مع الصهيونية الذي اكتنفته الخيانات والأزمات زاجة الأمة العربية بحلم وحدتها في مخاض قومي لم يكتب لنا أن نشهد مولده حتى الآن.
نريد ان يكون عنوان القمة (فجر جديد) تصوغه يد القادة وترسم ملامح وحدتهم ريشهم.. ولا يهم إن كان هذا حلما بعيدا أو قريب المنال فالمهم أن نحلم لأن الحلم هو بداية الاستيقاظ.
أتمنى على رؤساء وحكام الدول العربية أن يخرجونا من قوقعتنا لنتخلص من خطيئتنا الاستضعاف والاستكبار وهما خطيئة احتقار الذات وخطيئة تضخم الذات. فنحن لا نملك إلا أن نرى الأمل من خلالهم.
في القمة أتمنى أن تتجاوز الدول العربية الخلافات فيما بينها وأن تصفى النفوس ونثق بأنفسنا وتدرج على جدول اعمال المؤتمر المواضيع كلها بملفاتها الساخنة والباردة، ليتناول الزعماء قضايا الوحدة والفقر والجهل والتخلف وتداعيات الإرهاب وواقعنا الذي لا يسر ناظر ولا يريح مستمع وليسنوا قوانين التغيير ولنغير من سنن التفكير وفقاعاتها.
لابد أن تكون الأولوية للتعليم والتثقيف ولاسيما أنها في سلم سنن التغيير فالحلقة القديمة كما يراها فولتير: الناس يشكلون النظم والنظم تشكل الناس دعت فولتير لأن يتساءل في كيفية إدخال التغيير في هذه الحلقة، فوجد ان هذا التغيير يأتي عن طريق التثقيف والتعليم تدريجيا وبالوسائل السلمية لذلك فكل ما ينقصنا هو تجريد العلم من واقعه ليصير قانونا (ومن يفهم القانون كما يقول خالص جلبي يملك تسخيره) وهذه هي النظرة الجديدة للعلم ويكفينا ان نعرف وكما ذكرت في مقالات سابقة أنه وحسب الاحصاءات الاخيرة لمركز زايد في أبوظبي ان الولايات المتحدة الامريكية وحدها تصرف على تنمية حقولها العلمية ما يقارب 134 بليون دولار (8.2%) من إجمالي ناتجها القومي بينما تصرف الدول العربية مجتمعة 3.0 الى 5.0% من إجمالي دخلها القومي وما يعادل 2.1% من مجمل الإنفاق العالمي على التعليم العالي وفقط 13.0%من مجمل الإنفاق العالمي على نشاطات البحث والتطوير.
وفي العبور إلى السلام مع اسرائيل فوق نهر الحقد والكراهية التاريخية المتبادلة لابد من الحذر من طبيعتها الغادرة ونقضها للمواثيق مع ان الحذر لا يؤثر في القدر وهذا يذكرني بقصة العقرب (عندما التقى الضفدع عند ضفة النهر وسأله أن يحمله على ظهره ليعبر به الى الضفة الأخرى فقال الضفدع للعقرب: وكيف أضمن عدم لدغك لي؟ فأجاب العقرب وكيف ألدغك، فأنا إن فعلت ذلك غرقنا سوية وفعلا اقتنع الضفدع وحمل العقرب وفي منتصف الطريق لدغ العقرب الضفدع وبينما هما يغرقان سأل الضفدع العقرب لماذا فعلت ذلك؟ فأجاب: ليس بيدي إنها طبيعتي).

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved