المال من النعم التي ينبغي على المسلم شكر الله تعالى عليها على الدوام من أجل استدامتها واستمراريتها ونموها بإذن الله ومن أبواب شكر الله سبحانه وتعالى عليها إنفاقها ابتغاء وجهه تعالى، والوقف وسيلة من وسائل شكر الله سبحانه وتعالى على تلك النعمة كما أنه باب من أبواب استدامة الثواب وعدم انقطاع العمل لصاحبه، ومن يأتي بعده ممن يرعى الوقف ويقوم عليه، وفي الوقت نفسه يقدم خيرا عميما لعموم الأمة، وقد عرَّفه العلماء بأنه «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة» وفي هذا التعريف ملحظ مهم ألا وهو الجمع بين التحبيس والتسبيل.، فالتحبيس لمصلحة التسبيل، ووجود المنفعة نتيجة لهذا التحبيس فلو انعدم الأصل أو استهلك لما دامت المنفعة التي تسبل، وقد امتازت الشريعة الاسلامية، واختص أهل الاسلام دون سواهم بهذه السنة المباركة التي يثابون عليها، وقد حافظ أبناء الأمة المسلمة عليها، فاستمرت على مر العصور، ولكونه لا يتعلق بفرد معين أو جماعة بعينها أو عشيرة دون سواها فقد تضافرت جهود مختلف الهيئات في المجتمع ومؤسساته وكوادره وقيادته من أجل الاسهام في هذا الوقف والعمل على نمائه.
إننا في بلد مبارك حباه الله تعالى نعما شتى وأسماها نعمة الاسلام، فكان دستور هذا المجتمع القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة دون سواهما، نعطي الوقف ما يستحق من مكانة واعتناء واهتمام على مختلف المستويات، إنني أود أن أهمس في أذن زملاء المهنة من الاعلاميين وكوادرهم ومؤسساتهم، بالقول: إن للكلمة إسهامها الفاعل الذي لا ينبغي تجاهله أو تناسيه والكلمة الطيبة المباركة لا بد ان تؤتي أكلاً مباركا بإذن الله.
إن دور الاعلام في مجال الوقف كبير، فلا يمكن الوصول الى الغاية النبيلة التي من أجلها شرع الوقف إلا بالتوجيه والتناصح والتوعية والشفافية لعموم الناس، ووسائل الاعلام والقائمون عليها هم قاعدة ذلك وبوابته، فالوقف يجسد أروع صورة من صور التكافل الاجتماعي التي نادى بها ديننا الحنيف، والمسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
يقول تعالى:{إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور}.
وهذه هي القاعدة التي يجب ان نضعها نصب أعيننا دعوة لأنفسنا وتوعية لأخوتنا وخاصة في هذا العصر الذي صار للاعلام فيه الدور البارز الكبير، ذلك لأن توجيه الأمة وتوعيتها دلالة لها على الخير، الذي للدَّال عليه كأجر فاعله، والله تعالى يقول في محكم تنزيله:{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون}، ومن منا لا يسعى الى الفلاح والنجاح والسعادة المقيمة.
إن علينا توضيح الحقيقة لمن التبست عليه وتنبيه من غفل عنها وهي أن أعمال الأبدان تنقطع بموت الانسان فلا يبقى له إلا ما أبقاه من عمل صالح يستمرثوابه له بعد الموت. وذلك ما أخبر به الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم عندما قال:«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
والوقف في الاسلام صدقة جارية الى ما شاء الله، ولأهمية تكامل وتكاتف مختلف قطاعات المجتمع لاحياء سنة الوقف، فإن وسائل الاعلام بكافة أشكالها ينبغي أن تقوم بحملات مكثفة للتوعية بأهمية ودور الوقف في المجتمع الاسلامي، وحث رجال الفكر والعلم والأدب على المشاركة في هذه الحملات اضافة الى العلماء والمشايخ من خلال الندوات التلفازية والاذاعية والمجلات والصحف ووسائل الاتصال الأخرى كالانترنت، مع أهمية التنويه الى ضرورة مشاركة رجال المال والاقتصاد والسياسة والتخطيط، لتحقيق الغاية المرجوة، فكلما تضافرت الجهود على تأدية عمل معين كلما كان له أثره القوي البارز في صلاح حياة الفرد والأمة مما يرجى معه ان يكون الثواب عند الله أجزل وأعظم.
لقد أسهم الوقف الاسلامي في فترات التاريخ الاسلامي بتقديم خدمات جليلة الى المجتمع المسلم، بكافة مرافقه، فكانت المساجد والمدارس وأماكن الدعوة ودور التخطيط والمشروعات الاقتصادية والانتاجية والمرافق العلمية والخدمية ووسائل التنمية والمستوصفات والمستشفيات ومراكز الرعاية الاجتماعية وخدمة المعوقين وتمويل المشروعات التنموية كلها شواهد لا تدع مجالا للشك بأهمية هذا العمل المبارك، وعمل بهذا الكم والكيف أعني الوقف الاسلامي يستحق منا المزيد، والمزيد ممكن بإذن الله، والله ولي التوفيق.
|