إشراف: القسم السياسي
مثلما هزت المملكة العربية السعودية الوجدان والمشاعر العربية والإسلامية في قمة القاهرة 2000م باخراجها مقررات مؤتمرات القمة العربية من حالة الشجب والاستنكار والمطالبات إلى خطوة عملية واقعية لدعم قضية الشعب الفلسطيني والدفاع عن المقدسات الإسلامية على أرض فلسطين، حيث دعا ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني الأمير عبدالله وبتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز إلى انشاء صندوق دعم الانتفاضة برأسمال 200 مليون دولار وصندوق باسم الأقصى برأسمال 800 مليون دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني مثلما فعلت المملكة ذلك تعود من جديد لتهز أركان العالم حسب وصف بعض المراقبين وتحرك مياه السلام التي أوشكت أن تتحول إلى مياه شديدة الغليان، حيث أعلن الأمير عبدالله مؤخراً عن مقترحات لحل أزمة السلام في الشرق الأوسط تقوم على علاقات كاملة بين الدول العربية وإسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة ووفقاً لقرارات الأمم المتحدة، بما في ذلك القدس الشريف.
ويتوقع المراقبون والمحللون أن تكون مبادرة المملكة للسلام في الشرق الأوسط البند الأهم وربما الأوحد على جدول أعمال مؤتمر القمة العربية المقرر في العاصمة اللبنانية نهاية الشهر الحالي.
اتفق المراقبون على أن المبادرة السعودية هي خطوة شجاعة وجريئة تكسر حالة الجمود التي تمر بها عملية السلام وتلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي وتزيل عن الوجه العربي أمام العالم كله تهمة السعي إلى الحرب ورفض السلام.
ويرى المراقبون أن ثقل المبادرة يأتي من كون طرحها من جانب قادة المملكة العربية السعودية وهي احدى الدول ذات الثقل الكبير في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط جميعها، ويجمعون على ضرورة تبني القمة العربية المقبلة لمقترحات الأمير عبدالله.
ويعتبر المراقبون أن المبادرة السعودية هي أول رد فعل عربي مباشر وملموس على طريق التسوية السلمية، فلأول مرة منذ زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس، يأخذ العرب زمام المبادرة ويطرحون مبادرة ويتخذون خطوة عملية على طريق انهاء صراع الشرق الأوسط بدلاً من انتظار المبادرات الأوروبية والأمريكية والروسية والتي كان مصيرها جميعاً التجاهل الإسرائيلي.
ويعول المحللون كثيراً على تبني قمة بيروت المقبلة موقفاً عربياً موحداً ومتماسكاً خلف المبادرة السعودية يقود إلى تحرك عربي ضاغط وفق آلية منظمة للتحرك والضغط باتجاه واشنطن والعواصم الأوروبية المؤثرة لتبني هذا الطرح العربي القوي وتفعيل قنوات التنسيق العربي انطلاقاً من المبادئ التي تحملها المبادرة.
ورغم أن الموقف الإسرائيلي من المبادرة لم تتم بلورته إلى شكل نهائي بعد، إلا أن الطرح السعودي يحظى بموافقة وقبول معظم الأطراف العربية إلى جانب التأييد الأوروبي والأمريكي له ليكمل عنصر القبول الدولي لها.
ويرى المحللون أن قمة بيروت تحمل جانباً من المسؤولية في الضغط باتجاه الموقف الأمريكي ليضغط بدوره تجاه تل أبيب للقبول بالمبادرة السعودية العربية، حيث تضع المبادرة الولايات المتحدة من جديد أمام مسؤوليتها لكي تبدي مزيداً من الاهتمام بعملية السلام في المنطقة بعد أن كانت قد أعطت الضوء الأخضر لحكومة شارون للمضي في ارهابها ضد الشعب الفلسطيني، وتبنت استراتيجية زيادة الضغط على السلطة الفلسطينية.
ويؤكد المحللون ضرورة أن يتعامل الإسرائيليون مع المبادرة بطريق يبتعد عن الالتفاف واضاعة الوقت منبهين إلى أنه من الخطأ أن يعتقد الإسرائيليون أن الأفكار السعودية قد تحمل بين جوانبها أي تنازلات أو ثغرات يمكن أن ينفذوا من خلالها لتحقيق مآرب غير مشروعة على حساب أي طرف عربي في القضية، ذلك أن تصريحات لمسؤولين من سوريا والأردن ولبنان وفلسطين أكدت أن المبادرة السعودية في مجملها تتفق مع المواقف العربية المعلنة من السلام.
وقال مسؤولون في هذه العواصم العربية إن استعداد المملكة للاعتراف بدولة إسرائيل مقابل انسحابها من كافة الأراضي العربية المحتلة من الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولات ومزارع شبعا اللبنانية يمثل رؤية عميقة للخروج من الأزمة الراهنة التي تعاني منها المنطقة.
ودعا المسؤولون إلى أن تتم بلورة الأفكار التي طرحها ولي العهد الأمير عبدالله لتصبح بمثابة مبادرة عربية شاملة تتبناها القمة العربية القادمة في بيروت.
ويرى محللون في هذه العواصم أن مبادرة الأمير عبدالله تعكس الشعور بالمسؤولية الكبرى المنوطة بالرياض تجاه ما يجري من تطورات بالغة الخطورة في الأراضي العربية المحتلة.
ويشبه المحللون مبادرة الأمير عبدالله بمبادرة مشابهة طرحها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد قبل 20 عاما من القمة العربية بفاس حينما كان جلالته ولياً للعهد.
وإلى جانب مبادرة الأمير عبدالله يأتي ملف ما تم الاتفاق على تسميته بالحالة العراقية الكويتية كواحد من أهم التحديات التي تواجه قمة بيروت، خاصة بعد التهديدات الأمريكية الصريحة بتوجيه ضربة عسكرية للعراق في اطار حملتها ضد الارهاب وهو الأمر الذي أعلنت المملكة رفضه حماية للشعب العراقي.
وكانت القمة قد واجهت عدداً من التعقيدات تمثل أولها في الاقتراح الشخصي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه يرى بتأجيل القمة استناداً إلى أن الأوضاع العربية والعالمية لم تصل إلى مستوى الاستقرار لاتخاذ مواقف على مستوى التحديات التي تواجه الأمة، ثم تمثل ثاني التعقيدات في اثارة أبناء الطائفة الشيعية في لبنان لقضية اختفاء إمام الطائفة موسى الصدر خلال زيارته للعاصمة الليبية طرابلس عام 1979م وطالبت الطائفة بحل هذه القضية كشرط لحضور قائد الثورة الليبية معمر القذافي للقمة وهو الأمر الذي دعا الرئيس الليبي لأن يطلب نقل القمة من بيروت، وبعد جولة لأمين عام الجامعة العربية السيد عمرو موسى إلى كل من بيروت والرياض ودمشق وعمان وطرابلس تم احتواء الأزمة ليتحدد للقمة يوما السابع والعشرون والثامن والعشرون من الشهر الجاري وسط آمال وتطلعات الشعوب العربية لاقرار توصيات على مستوى التحديات التي تواجه الأمة جميعها.
محيي الدين سعيد
|