* واشنطن خدمة الجزيرة الإلكترونية:
من الواضح أن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني قد فشل في مهمته العاجلة في الشرق الأوسط في الحصول على موافقة الزعماء العرب بضرورة العمل العسكري السريع من أجل إسقاط الزعيم العراقي صدام حسين. ولكن من المؤكد أن جولته هذه قد نجحت في إعطائه خمسة دروس أساسية حول الشرق الأوسط اليوم.
أن النزاع العربي الإسرائيلي يمثل أولوية بالنسبة إلى سياسة الدول العربية، وأن الزعماء العرب مقتنعون بأن نتيجة النزاع الدائر على الساحة الفلسطينية يمكن أن تقرر مستقبلهم السياسي.
إن وقف إطلاق النار في الأراضي الفلسطينية أصبح بلا معنى إلا إذا ارتبط بترتيبات سياسية من أجل الخروج بحل نهائي للأزمة، فالفلسطينيون يحاربون من أجل الحرية وتحرير أراضيهم، أما الإسرائيليون فإنهم ينتقمون من أجل توفير الأمن، وفي الوقت الحالي لا تلوح بالأفق أية بادرة للأمن أو للحرية.
إن مبادرة السلام السعودية التي تقدم بها الأمير عبدالله تمثل الحل الأفضل من أجل الوصول إلى السلام والأمن الذي ينشده الناس العاديون وليس الأيدلوجيون، وتدعو المبادرة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 مقابل تطبيع كامل للعلاقات بين جميع الدول العربية وإسرائيل، إضافة إلى تجميد المستوطنات الإسرائيلية.
إن ضرورة العنف وتلاشي الأمل بحدوث سلام قد يدفعان بالمتطرفين من كلا الجانبين إلى الواجهة ومن ثم استحالة التوصل إلى الاجتماع والجلوس معا وتقديم تنازلات في سبيل الوصول إلى مصالحة.
إن كلا من الرئيسين الإسرائيلي ارييل شارون والفلسطيني ياسر عرفات سيضطران بالنهاية إلى الاستجابة للضغوط الأمريكية وذلك عند تطبيقها بحزم على كلا الطرفين، عند ازدياد الأوضاع سوءا من خلال أمرين:
1 الاتفاق مع شارون من أجل سحب قواته من المناطق التي عاد احتلالها والخاضعة لنفوذ السلطة الوطنية الفلسطينية، إضافة إلى تخفيف الحصار المفروض على السيد ياسر عرفات.
2 توجيه الرئيس ياسر عرفات دعوة جادة وحازمة لشعبه من أجل إنهاء ووقف أعمال العنف.
أما الدرس الأخير فهو الأهم والأساسي وذلك لأنه يستند إلى الدروس الأولى من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إضافة إلى الحقائق الحالية الموجودة على أرض الواقع، ففي الماضي قامت إسرائيل بتقديم العديد من التنازلات إلى العرب وذلك نتيجة للضغوط التي كانت تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة، فقد قامت بسحب قواتها من سيناء ثلاث مرات عندما طلب ذلك كل من الرئيس ايزنهاور، نيكسون وجيمي كارتر. وقامت أيضا بإنهاء اجتياحها للأراضي اللبنانية عندما أصر الرئيس الأمريكي كارتر على ذلك هذا إضافة إلى تأثير حزب الله عليها، كما أوقفت «وبشكل مؤقت» بناء المستوطنات عندما قام الرئيس بوش الأول بإيقاف القروض المالية المخصصة لها، كما أن اتفاق أوسلو الموقع عام 1993م والذي شكل إطارا للمحادثات بين الطرفين العربي والإسرائيلي كان نتيجة للضغوط التي تعرضت لها إسرائيل بسبب الانتفاضة الأولى.
والآن فإن الاقتصاد الإسرائيلي يتعرض لنكسة شديدة وسجل انخفاضا ملموسا وتراجعا حادا في قطاعي السياحة والاستثمار وذلك بسبب الانتفاضة، كما أن انهيار ناسداك في الولايات المتحدة قام بدوره بضرب قطاع التكنولوجيا في إسرائيل.
ويوجد على قمة هرم الكارثة المالية والسياسية الإسرائيلية النفقات الاستثنائية والتي يتوجب أيضا على الحكومة الإسرائيلية تحملها جراء قمعها للانتفاضة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو من سيدفع هذه النفقات؟؟
ولن نستغرب أبدا قيام إسرائيل بطلب الولايات المتحدة بتزويدها بدعم مالي إضافي من أجل تغطية هذه النفقات.
أما بالنسبة إلى ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية فهو أيضاً في وضع صعب وضعيف للغاية خاصة بعد أشهر من الانتفاضة وسلسلة الدمار الحاصل، لذلك فهو متلهف وبشكل كبير من أجل الحصول على قرار يمكنه من إقامة الدولة الفلسطينية وينهي دوامة العنف، إلا أنه وبنفس الوقت غير مستعد للقبول بشروط مجحفة أو تقديم أية تنازلات كتلك التي قدمت في محادثات كامب ديفيد الأخيرة عام 2000م ولهذا فإن الوقت الآن يعتبر مناسبا لواشنطن لممارسة الضغط على الجميع من أجل القبول بمبادرة الأمير عبدالله وإيجاد حل نهائي للنزاع. من هنا فإنه لا يتوجب على الولايات المتحدة أن تنتظر وقف إطلاق نار مراوغ ، بل عليها تكوين تحالف قوي يشمل أوروبا وبلداناً من الشرق الأوسط للمشاركة في المساعي الرامية إلى دفع المتنازعين إلى الوصول إلى حل للنزاع القائم. كما أن التحالف يمكن أن يزود بقوات حفظ سلام لمراقبة الأوضاع والفصل بين الطرفين ومن المؤكد أنه لا يمكن للزعماء من كلا الطرفين مقاومة الضغط الأمريكي كما أن شعوبهم ستكون راضية عند تطبيق هذه المبادرة.
وهكذا فقد حان الوقت لإدارة السيد بوش لتطبيق الدروس التي تلقاها نائبه خلال جولته بالشرق الأوسط.
كريستيان ساينس مونيتور
|