منذ مؤتمر مدريد لسلام الشرق الأوسط، الذي شاركت فيه جميع الدول العربية وبالذات دول الطوق العربية التي تماس حدودها حدود فلسطين المحتلة، اعتمد العرب خيار السلام الاستراتيجي.
والخيار الاستراتيجي الذي التزمت به الدول العربية يعني فيما يعني أن العرب جميعا يجنحون للسلام اذا ما أعادت اسرائيل جميع الأراضي العربية المحتلة، ولذلك فإن المصطلح الذي أصبح عنواناً لهذا التوجه، والذي طبع التوجه الدولي والعربي وحتى الاسرائيلي قبل مجيء أرييل شارون هو «الأرض مقابل السلام». وإذا كان تلاحق الأحداث والمتغيرات الدولية والتخريب المنظم الذي مارسته الحكومات الاسرائيلية المتعددة لنتائج مؤتمر مدريد، والأخطاء التي ارتكبت من العرب «تفاوضيا» مع اسرائيل جعل قرارات مؤتمر مدريد تضيع في تفرعات التفاوض، وطغيان الاتفاقيات الانفرادية التي عقدها العرب على ما كان يهدف إليه مؤتمر مدريد، وإذا كانت بعض هذه الاتفاقيات قد أنجزت سلاماً منفردا مع الأردن مقابل إعادة الأراضي الأردنية، إلاَّ أن الأرض الفلسطينية لا تزال تئن تحت نير الاحتلال وما زال السلام غائباً رغم «كومة» الاتفاقيات التي أبرمها الفلسطينيون والاسرائيليون، بدءاً من اتفاقيات أوسلو حتى لقاء طابا. ولا تزال الأراضي السورية في هضبة الجولان وجزء من الأراضي اللبنانية في شبعا تحت الاحتلال الاسرائيلي البغيض .. ورغم كل هذا لا يزال أيضا العرب متمسكين بالخيار الاستراتيجي للسلام.
على هذه الأرضية تأتي مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز للسلام في الشرق الأوسط .. ترجمة عملية وتفعيلاً لخيار السلام الاستراتيجي، انسحاب إسرائيلي تام من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ومن هضبة الجولان ومن الأراضي اللبنانية مزارع شبعا وغيرها، أي انسحاب من كل الأراضي العربية التي احتلها الاسرائيليون يوم الخامس من حزيران عام 1967م مقابل سلام شامل مع إسرائيل ..
هذا هو جوهر مبادرة سمو ولي العهد تفعيل لخيار استراتيجي التزم به العرب منذ مؤتمر مدريد .. والآن يفعَّل في بيروت.
جاسر عبد العزيز الجاسر |