Friday 29th March,200210774العددالجمعة 15 ,محرم 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

تغيير شرط الواقف إلى ما هو أولى منه تغيير شرط الواقف إلى ما هو أولى منه
الشيخ فهد بن عبدالرحمن اليحيى

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد، فقد افاض الفقهاء في الحديث عن شروط الواقفين، وما تتضمنه، وما يلزم منها وما لا يلزم، واظهر بعضهم حرصا في تمسكهم بشرط الواقف حتى قيلت تلك العبارة التي تناقلها كثير منهم: إن نَصَّ الواقف كنص الشارع.
وقد ناقش شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله هذه العبارة مبيناً الخطأ في اطلاقها دون قيد، او تفسيرها بما لا يصح فقد قال: «ومن قال من الفقهاء: ان شروط الواقف نصوص كالفاظ الشارع، فمراده انها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف لا في وجوب العمل بها، أي ان مراد الواقف يستفاد من الفاظه المشروطة كما يستفاد مراد الشارع من الفاظه، فكما يعرف العموم والخصوص والاطلاق والتقييد والتشريك والترتيب في الشرع من الفاظ الشارع فكذلك تعرف في الوقف من الفاظ الواقف.
مع ان التحقيق في هذا ان لفظ الواقف ولفظ الحالف والشافع والموصي وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها سواء وافقت العربية العرباء أو العربية المولدة أو العربية الملحونة أو كانت غير عربية، وسواء وافقت لغة الشارع أو لم توافقها، فإن المقصود من الالفاظ دلالتها على مراد الناطقين بها فنحن نحتاج إلى معرفة كلام الشارع، لأن معرفة لغته وعرفه وعادته تدل على معرفة مراد.وكذلك في خطاب كل امة وكل قوم، فإذا تخاطبوا بينهم في البيع والاجارة أو الوقف أو الوصية أو النذر أو غير ذلك بكلام رجع إلى معرفة مرادهم وإلى ما يدل على مرادهم من عاداتهم في الخطاب وما يقترن بذلك من الاسباب.
واما ان تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها فهذا كفر باتفاق المسلمين، إذ لا احد يطاع في كل ما يأمر به من البشر بعد رسول الله.
ولكن حين يكون الشرط خالياً من محذور شرعي فهل يصح تغييره إلى ما هو أصلح منه ؟، ولهذا أمثلة منها:
لو وقف على الدعوة فاحتاج البلد إلى مدافعة العدو بالجهاد، فهل يصح نقل ريع الوقف الى الجهاد بناءً على انه احوج فهو اصلح، فكأنما بدل شرط الواقف من كونه إلى الدعوة إلى كونه في الجهاد.
ومنها ما لو وقف على المساكين في بلد فكان بلد أحوج منه، فهل يصرف من ريعه على البلد الآخر؟
ويمكن طرد هذه القاعدة في التبرعات التي تجمع للمشاريع الخيرية أو للاغاثة في بعض البلدان أو إعانتهم على الدفاع عن انفسهم.. ونحو ذلك، فهل تصرف تلك التبرعات التي عين اصحابها مصارفها إلى مصارف اخرى احوج؟
ذهب الإمام ابن تيمية إلى الاذن في تغيير شرط الواقف إلى ماهو اصلح منه.
قال رحمة الله عليه :«حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند».
وقال عامة أهل العلم: ان شرط الواقف لا يغير ما دام في غير محذور شرعي.
وهذه المسألة تحتاج إلى مزيد نظر وتأمل، فإن الاصل عدم مخالفة الواقف فيما يشترطه ما دام الشرع يحتمله، ذلك أن للواقف غرضاً وقصداً في تعيين الجهة التي يصرف إليها الوقف، وفي كيفية ذلك..ولو لم يكن للواقف قصد معين لجعل وقفه مطلقاً دون تقييد.
وقد قال شيخ الاسلام رحمه الله : «ان صرف الوقف إلى غير من صرفه إليه الواقف حرام».
وقال في موضع آخر :«إذا حكم الحاكم بصحة الوقف لم يجز فيه تغييره ولا تبديل شروطه».
وحينئذ فإن البقاء على هذا الاصل هو الاسلم وهو الاولى في حق الواقف، وهذا ما جعل الجمهور يمنعون تغيير شرط الواقف.
هذا من وجه. ومن جه آخر فإن فتح الباب لتغيير شرط الواقف ليس له حد، وسده وإن كان قد يمنع من بعض ما هو اولى، لكن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وقد علم من خلال ما يرى من تصرف كثير من الناس أن المنع اسلم، واحفظ للوقف، واقرب إلى مقصود الواقف.
على أن الاخذ بقول شيخ الاسلام رحمه الله من جواز تغيير شرط الواقف لا اظنه على اطلاقه، وإنما يمكن تقييده لكي لا يستغل بما يلي:
1 ان يكون التغيير عن طريق ناظر الوقف دون غيره.
2 الا يستقل ناظر الوقف بذلك ما امكن، بل يكون معه قاض او اثنان، فيكون القرار صادراً بلجنة وليس قراراً فردياً.
3 ان يكون التغيير إلى ما هو ظاهر المصلحة، وليس مجرد مصلحة فقط.
4 الا يتعجل في التغيير حتى تتم دراسة الجدوى من التغيير بأن تتوفر الدواعي الحقيقية لهذا التغيير والتبديل والانتقال.
ويمكن ان يقال هنا سواء في الوقف أو ما يقاس عليه قول وسط بأن الامر يرجع إلى اختلاف الاحوال والاشخاص والقرائن والملابسات.
فإذا كان الظاهر من حال الواقف أو المتبرع انه لا غرض له في تعيين الجهة التي وقف عليها أو تبرع بها وانما قصده عمل الخير اي خير كان ولكن عين تلك الجهة لكونها كانت ماثلة في ذهنه حين الوقف، أو لغير ذلك من الملابسات فيتوجه حينئذ جواز صرف الوقف أو التبرع إلى جهة خير وبر اخرى هي اولى من تلك على وفق الضوابط المتقدمة.
وثم صورة هي اخص من تلك، وهي اذا لم يكن للواقف غرض في الجهة الموقوف عليها أو المتبرع لها، ولكن له غرض في نوع ما يصرف أو يتبرع اليه، كمن يوقف أو يتبرع لاجل الاغاثة في بلد ما، أو الجهاد في سبيل الله تعالى في بلد ما، أو التعليم، أو الدعوة.
فيكون الهدف من نوع العمل الخيري هو الاغاثة أو الجهاد او التعليم أو الدعوة، وأما المكان فلا غرض له فيه، فيتوجه ايضاً أنه يباح صرف ما اوقفه أو تبرع به إلى مكان آخر، ولكن في ذات العمل الخيري دون تغيير نوعه.ولكن حين يظهر من حال الواقف انه اراد التعيين، أو لم يظهر من حاله ارادة التعيين ولا عدم ارادة ذلك، فيبقى الحكم على اصل المنع من التغيير في شرط الواقف أو المتبرع، وعدم صرف وقفه أو تبرعه إلى غير ما عينه، والله اعلم.
*المحاضر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم/ قسم الفقه

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved