حينما يذكر التجديد الشعري يذكر الشاعر احمد الصالح (مسافر) بوصفه شاعراً، شارك في الريادة الاولى للتجديد الشعري شكلاً ومضموناً في ديوانه (عندما يسقط العراف).
ولكي نخرج في مثل هذه المناسبة من اطار العموميات سنأتي الى معالجة نصية لنتبين من خلالها كيفية استثمار الصالح للرمز الشعري الثقافي العربي وتوظيفه له من خلال قصيدته (الشنفرى يدخل القرى ليلاً).
في قصيدة (احمد صالح الصالح) «مسافر»: الشنفرى يدخل القرى ليلاً، نجد اننا امام نص يعلن هذه القراءة للنص القديم، وهو هنا لامية الشنفرى، على نحو تختفي فيه المعارضة، وتحتل اشارات نص الشنفرى فيه مكانا يفضي بها إلى اشارات متجددة، لكن هذه القراءة لم يستلبها نص الشنفرى، بل استحضرت هذا النص لتقرأه وفق ، رؤيتها، ولم تقتصر القراءة في نص الشنفرى عليه وحده بل امتدت الى ما يساوقه من النصوص الجاهلية الاخرى، ثم كانت هذه القراءة استيحاء لشخصية الشنفرى الجديدة التي تتعامل مع الحضور الجديد، ولذلك كان الشنفرى متحولاً في نص الصالح عن انعزاله الانساني، إلى شخصية تستحضر ما انتخب من شخصية الشنفرى، وما تنامى عبر التاريخ، ليكون «شنفرى القرية» غير شنفرى الصحراء، ولكي تكون العزلة إيجابية تتحرك بسخاء الشنفرى وجهاده الى سخاء يلتحم مع من يمتد إليه شنفرى هذا النص ليصنع له مثلاً مضيئاً.
سيد عَمَلَّسُ
لا تلمني صاحبي
شوه مهرثة الوجوه
ولي بهم أهل
ولي بيت وليل
ان ليلهمو يشيع الأنس بين جوانحي
والأهل كلهمو «على الداعي» بطل
يتدافع «الركبان» في «خبب»
تشد اليه آباط «الرواحل»
كم به تتدافع البُزل الحفاة الى الغدير
أمد نحوهمو.. يداً
وأمد نحوهمو «على البلوى» امل
هم عُدَّتي
استفُّ تربَ الارض نحوهمو
ولا أرضى اليد السفلى
وكم يدرون أن بحبّنا بعضاً
يسير غداًً مثل
يقرأ الصالح الشنفرى، يجده يلتئم مع السباع والذئاب، يفر إليها من الجوع، يفر من عطف الانسان ليكون ذاته بذاته والتحامه منفرداً مع المجتمع الحيواني.
يقرأ الشنفرى الشعر الجاهلي، يجده قائماً على التوافق الانساني، وانضمام الانسان الى آخر والإعلان عن حاجته لذلك الانسان على صور متعددة لكن الشنفرى يحيل كل ضرورة اجتماعية الى ذاته، يرفض الراحلة، ويعتمد على ساقيه، يرحلون الى مواضع محددة، والى مياه ومناطق خصب أو عطاء وجود ولكنه يرحل الى ذاته التي تنفصل عنهم الى اهله الذين يأنس بهم.
اقيموا بنى أمي صدور مطيِّكم
فإني الى قومٍ سواكم لأميل
فقد حُمَّت الحاجات والليل مقمر
وُشدَّت لطيَّاتٍ مطايا وأرحل
وفي الارض منأى للكريم من الأذى
وفيها لمن خاف القلى متعزَّل
ولي دونكم اهلون سيد عَمَلَّس
وارقط زهلول وعرفاء جيأل
هم الاهل لا مستودع السرِّذائع
لديهم ولا الجاني بما جَرَّ يُخذل
اذا الأمعز الصوان لاقى مناسمي
تطاير منه قادح ومفلل
فكيف يقرأ الصالح ذلك؟؟
منذ البدء نقف امام «سيدٌ عملس» التي احالها الشاعر الى جمعٍ يعيد إليها الكلام مجموعاً حين يقول:
شوه مهرتة الوجوه
ولي بهم اهل
ولي بيت وليل
واذا تجاوزنا الخطأ في ذلك، والذي نراه بعد ذلك في قوله: إن الشاعر اراد ان يقذف الينا بالاشارة التي تعيدنا الى فلا السيد العملة قصيدة الشنفرى «سيد عملس» لنستحضر الذئاب والسباع التي استأنس بها الشنفرى، والتي يدلف الصالح اليها، ليأنس ويفر من الاهل لكن الصالح لا يخلص الانحياز اليهم فيبقى الالتئام الانساني حاضراً في النص، فالشنفرى كما هو في العنوان «يدخل القرية ليلاً» وهو الذي كان في لاميته لا يدخل، والسائر عند الصعاليك عدم دخولهم القرى واغارتهم على القطعان في مراعيها، ولعل ذلك يعطينا دلالة على ان شخصية الشنفرى فارقت كينونتها التي وصفها لها الشنفرى، الى كينونة متطورة مع ما يريده الصالح من الاخلاص، فكان تعلقه بالشنفرى تعلقاً قرائياً ينمو مع حاجاته وليس تعلقاً احتذائياً، ولذلك لم يهمل الصالح ذكر الاهل الذي طواه الشنفرى في لاميته من البيت الاول، ولم ييأس من تفاعله معهم على نحو يبث الحب والتحرك نحو الفعل.
فهم يتدافعون نحو الداعي ويزدحمون، وهو يمد يده نحوهم (على البلوى) لأن الأمل لم ينطفئ:
هم عدتي
استفُّ تُرب الارض بينهمو
ولا أرضى اليد السفلى
وكم يدرون ان بحبنا بعضا
يسير غداً مثل
ونستطيع ان نقول ان الصالح حوّل هروب الشنفرى من مجتمعه الى قيمة ايجابية، وان الجوع الذي يميته الشنفرى:
اديم مطال الجوع حتى أميته
يؤول الى قيمة ايجابية، تقاوم الشبع والرفه، ليلتصق الانسان بالارض ويمد يده نحو الجماعة:
أستفُّ تُرب الارض بينهمو
ولا أرضى اليدالسفلى
وهذه القراءة من الصالح للشنفرى جعلته يحيل تلك القيم السلبية لديه الى قيم ايجابية تؤول الى توحد الذات مع الارض، مع الوطن:
هذا أنا
شعري واظفاري
وعظمى.. نبض أوردتي
تقول:
أنا أنا
والكهف.. والوادي السحيق
تقول لي:
أنت هنا
والريح والآرام
والغسق الذي فضح الصحاري
يا صاحبي.. أفضَتْ إلىَّ
حديث حب لا يبيد
وحاصرت قلبي هموم حبيبتي
فعشقتها حتى الشغاف..
وتلك حبيبتي كفّي وقلبي بل وراحلتي وداري هي بعض نفسي.
بعضها نفسي
وفي أحضانها أطفأت ناري
ولقد أُميتُ الجوع في نفسي
ولا أرضى أميتُ الحب
لون الأرض يطلبني
وظل النخل.. يطلبني
|