Monday 15th April,200210791العددالأثنين 2 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

زيارة باول:اطمئنان على نجاح المهام الصهيونية.. أم بحث عن السلام ؟ زيارة باول:اطمئنان على نجاح المهام الصهيونية.. أم بحث عن السلام ؟
د. عبدالله بن سالم الزهراني

لقد تحرك القادة العرب والدبلوماسية العربية بشكل عام مع استمرار الانتفاضة ومع استمرار الصلف الصهيوني كما حزم القادة العرب أمرهم وعزموه على عقد قمة عربية في بيروت لبحث قضايا عديدة في مقدمتها قضية فلسطين والعدوان المستمر على الشعب الفلسطيني الأعزل. وكان ذلك التحرك مطلوبا ومنتظرا في ظل تزايد الوحشية الصهيونية وفي ظل غياب المبادرات والطروحات السياسية التي كان الموقف يتطلبها. وعلى هذا الأساس وفي ظل تلك الاجواء الدموية كان لابد من التحرك السياسي لمحاولة منع سفك مزيد من دماء الفلسطينيين. ولهذا أطلق الأمير عبدالله ولي العهد فكرة سلام شاملة بلورتها الجامعة العربية بعد تدارس وتشاور وأخذ ورد، حيث قام حفظه الله بعرضها وطرحها في خطابه أمام المؤتمرين في القمة العربية التي انعقدت في بيروت في الفترة ما بين 26 28 مارس 2002م. وبعد تبلورها والموافقة عليها والترحيب بها في اوساط دبلوماسية عالمية انفجر الوضع في فلسطين المحتلة وبدا وكأنه ردة فعل مباشرة على المبادرة العربية التي تبناها المؤتمر. حيث شن الجيش الصهيوني هجوما واسعا على مدن وقرى الضفة الغربية واقتحمها واحدة تلو الاخرى وحاصرها بما في ذلك مقر الرئيس عرفات في المقاطعة بمدينة رام الله.
إن هذا الاقتحام بدأ مع وجود المبعوث الامريكي زيني في فلسطين المحتلة الذي يبدو ان ما تم لم يكن بمعزل عن رأيه ومشورته بل ربما مشاركته في التخطيط. وربما كان ذلك ردا وموقفا بعد ان وجد رفضا قاطعا من الرئيس ياسر عرفات حول التعديل لخطة تنت الذي يبدو أنه تعديلا خطيرا على جوهر المطالب الفلسطينية في أساسها. كما ان هذا الاعتداء يأتي والله أعلم ضمن منظومة حرب الإرهاب التي تشنها الولايات المتحدة يتولى تنفيذها في فلسطين المحتلة شارون وطغمته العسكرية بعد ان حرموا من المشاركة في أفغانستان. ثم ان هذه الهجمة أيضا لا تخلوا من كونها مدفوعة ومؤيدة بكل قوة من أمريكا ردا على رفض القادة العرب لضرب العراق وبالذات الدول المجاورة للعراق.
إذا الهجوم في مجمله يبدو وكأنه نوع من العقاب بشكل مباشر للفلسطينيين بشكل خاص وللعرب بشكل عام وبطريقة غير مباشرة. شارون وبوش ربما كانا يعتقدان انه بالإمكان خمد الانتفاضة في وقت وجيز بعد تولي شارون ولكن الأمر لم يكن على ما توهما لأن الفلسطينيين أبدوا مقاومة، كما أبدوا استعدادا واصرارا للاستمرار في المقاومة والانتفاضة رغم الحصار والعنف الإسرائيلي. لم يكن الفلسطينيون في الأساس يبحثون عن الدخول في مواجهة أو عنف ضد الصهاينة ولم يكونوا راغبين في بدء انتفاضة أخرى على الإطلاق.
لذا اختاروا السلام كخيار استراتيجي ولكن اختيارهم كان يرتكز على أساس الأرض مقابل السلام على ان يكون السلام كاملا غير منقوص ولا منتقص. ولكنهم دفعوا إلى الانتفاضة بعد استفزاز شارون وبعد التعنت الصهيوني في بحث النقاط الجوهرية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبالذات موضوع اللاجئين وموضوع القدس الذي جرت مناورات وتحايلات في كامب ديفيد وضغوط على الفلسطينيين للقبول والتوقيع على معاهدة مخلة. على كل حال بدأ الفلسطينيون انتفاضتهم وكان الهدف من وراء تلك الانتفاضة هو أن يرجع شارون إلى طاولة المفاوضات لاستكمال المرحلة الثالثة من المفاوضات تمهيدا للوصول الى الحل النهائي للقضية الفلسطينية.
إن العودة إلى طاولة المفاوضات يعني أن الأمر يتطلب المرور والبحث في قضايا شائكة ومعقدة تتمثل في موضوع القدس وعودة اللاجئين والحدود الآمنة، ولكن كل هذه الأمور رفضت عندما وصل شارون لسدة الحكم حيث استبعد المفاوضات من أساسها واستبعد اللقاء بينه وبين الرئيس ياسر عرفات وهذا كان مؤشرا على سوء النية لدى شارون وعدم الرغبة في العودة إلى طاولة المفاوضات السياسية لأنه لا يرغب في السلام بتاتا ولأنه ذو أحلام توسعية وأفكار استعمارية ولا يخطر على باله وجود دولة فلسطينية بجوار الكيان الصهيوني. وعلى هذا الأساس ومنذ استلامه للسلطة فقد بدأ يفكر بنسف بنود اتفاقات أوسلو ومدريد وما ترتب عليها من تنفيذ على أرض الواقع كما بدأ بالحديث عن خطط طويلة المدى قد تؤدي إلى حل نهائي كل ذلك نوع من الاستفزاز والمماطلة والتهيئة للانقضاض على المدن الفلسطينية. ولقد قرن ذلك بعمليات الجيش القمعية ضد الفلسطينيين حيث يقوم الجيش بالتوغل عشرات الأمتار ثم مئات الامتار ثم اصبحت بالكيلومترات ليدمر الطرق والمنازل والمزارع ثم ينسحب من مدينة أو قرية لينقض على المدن والقرى الاخرى.
لم يترك شارون خيارا للفلسطينيين ولذا فإنه في ظل تلك الهجمات التي بدأت تتصاعد منذ تولي شارون تحرك الشارع الفلسطيني بقوة حيث لم يستسلموا لهذا العدوان وحاولوا إيلام العدو من خلال العمليات الاستشهادية المختلفة في محاولة لإيجاد نوع من التوازن على الأقل في الرعب.. وبالفعل نجح الفلسطينيون في ذلك تماما حيث دب الرعب في قلوب المستوطنين والجيش. لم يصبح الفلسطينيون لوحدهم هم المحاصرون والخائفون من القصف العشوائي الصهيوني وإنما أيضا أصبح المستوطنون حبيسي منازلهم لأن الحواجز بنيت عند مداخل المستعمرات وعلى الطرقات المختلفة التي من شأنها أن تعيق حركة التنقل للاسرائيليين. إن تلك الحواجز اقيمت لتمنع وصول الفدائيين إلى المستعمرات الصهيونية المغروسة في قلب الضفة الغربية ولكن رغم ذلك استطاع الفدائيون ان يصلوا وأن يخترقوا الحواجز، وهذا ما أثار الرعب في قلوب الاسرائيليين وأعاق من تحركاتهم وزاد من معاناتهم شأنهم في ذلك شأن الفلسطينيين. ولكن ذلك هو ما اختاره شارون لشعبه وللفلسطينيين معا. لم يكن للفلسطينيين من خيار في مبادلة الهجمات الصهيونية بهجمات استشهادية لم يترك لهم الصهاينة من خيار ولم تترك لهم الولايات المتحدة أيضا من خيار ولم تترك لهم أيضا الأمم المتحدة من خيار. الأمم المتحدة ظهرت سلبية جدا تجاه ما يجري من شارون تجاه الفلسطينيين لأنها دائما كانت تتبنى مواقف الولايات المتحدة والتي بدورها كانت ترعى وتتبنى مصالح الكيان الصهيوني بغض النظر عن كونها حقا أم باطلا. لقد بح صوت الفلسطينيين وهم يطالبون بمراقبين وقوات دولية لكي تحمي الفلسطينيين العزل ولكي تشهد على الخروقات من قبل الطرفين ولكن هذا الطلب لم يجد آذانا صاغية حيث كانت الولايات المتحدة دائما تصوت ضد أي قرار من هذا القبيل لمعرفتها المسبقة بأن الصهاينة هم من سيخرق القرار. وفوق هذا وذاك فإن المخطط الصهيوني يتعارض مع تواجد قوات دولية أو مراقبين دوليين لأنها تود أن تقمع وأن تقتل وأن تدمر دون أن يكون هناك شاهد على ما تفعله.
قام الجيش الصهيوني بأقذر العمليات وأبشعها حيث كانوا يقومون من خلال الطائرات باغتيال الكوادر السياسية القيادية لفصائل المقاومة واحد تلو الآخر زاعمة بأنهم يخططون لعمليات فدائية ضد الصهاينة حيث تم استشهاد اكثر من ستين قياديا بهذه الطريقة التي تسميها الحكومة الصهيونية بالعمليات الاحترازية دون شجب ولا استنكار من الولايات المتحدة وكذا الحال كان الصمت من قبل الأمم المتحدة.
إنه ومع مرور الوقت واستمرار الانتفاضة وفشل كل وسائل القمع التي اتبعتها الحكومة الصهيونية ضد الفلسطينيين أصبح من الصعب على شارون أن يتراجع أو يسعى للتفاوض مع الفلسطينيين لأن ذلك يعني فشلا لسياساته ويعني ذلك نكصا لوعوده التي وعد بها الناخبين الصهاينة وهو توفير الأمن والأمان لهم.. ولذا كان التفكير
في العودة واللجوء الى التفاوض يعني سقوط حكومته وهذا آخر شيء يرغب فيه شارون. وعلى هذا الاساس ولكي يحافظ شارون على قيادة حكومته اختار أن تكون جماجم الفلسطينيين ثمنا لذلك البقاء، لقد اجج ذلك التوجه والتمسك به ما يكنه شارون من حقد شخصي دفين لشخص الرئيس ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية الذي عرف بصلابته في التفاوض ورفضه التنازل المخل عن حقوق الفلسطينيين. لقد تمكن شارون على ما يبدو لنقل ذلك الحقد الشخصي وعدم القبول بعرفات الى الرئيس بوش الابن الذي لم يلتق بالرئيس ياسر عرفات منذ توليه الرئاسة.
لقد أحس شارون فعليا بالخطر على الكيان الصهيوني بعد تزايد الهجمات الفلسطينية واختراقهم للحواجز الأمنية المنتشرة والعديدة التي توقع الصهاينة عدم قدرة الفلسطينيين على اختراقها. وكان بالإمكان التفاوض مع الفلسطينيين دون شروط تعجيزية ليمنع ذلك الخطر بطرق سلمية، ولكنه لم يفعل واستمر في مكابرته حتى قرر في نهاية الأمر التفاوض مع استمرار المواجهات. لم يكن ذلك تنازلا منه وإنما كان قرارا متعمدا لكي يمعن في القمع وفي نفس الوقت يتم التفاوض على مسائل أمنية لا مسائل سياسية تتعلق بالأمور الجوهرية وكل ذلك من اجل الاستهلاك العالمي والظهور بمظهر من يبحث عن السلام.
إن ما قام به الجيش الصهيوني في جنين ما كان ليحدث لو ان الامم المتحدة تمكنت من إرسال قوات دولية ولم تعترض الولايات المتحدة على ذلك. ومن هنا فإن الشعوب العربية تنظر الى الولايات المتحدة بأنها ضليعة في سفك دم الفلسطينيين ليس فقط من خلال معداتها العسكرية التي زودت وتزود بها الكيان الصهيوني وإنما أيضا من خلال مواقفها المتشددة في مجلس الامن ورفضها الموافقة على إرسال قوات او مراقبين دوليين لحماية الفلسطينيين.
إن ما قام به الجيش الصهيوني في جنين ونابلس يعد جريمة بل من أكثر الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية بشاعة. بدأها الكيان الصهيوني بالحصار لمدة سنة ونصف والذي خلف نقصا في الغذاء والمياه الصحية الصالحة للشرب طوال تلك الفترة، ولاشك ان لذلك انعكاسا على الناحية الصحية وبالذات على الاطفال، لم يكتف الصهاينة بذلك بل اعقبوه بذلك الهجوم المدمر بالدبابات والطائرات والجرافات. قاموا بنسف البيوت على رؤوس ساكنيها.
إن ذلك المنظر للجندي الصهيوني وهو يفجر عمارة بالديناميت مكونة من ثلاثة طوابق على ساكنيها وهو يبتسم وكأن شيئا لم يحدث سيظل ماثلا في ذهن كل من شاهده من اطفال ورجال ونساء في الوطن العربي وفي العالم. سيكون ذلك العمل بإذن الله دليلا وشاهدا على الجرائم والفظائع الصهيونية عندما يقدم شارون وزمرته للمحاكمة. المجازر ارتكبت ولا تزال ترتكب في جنين ويحاول الصهاينة أن يمنعوا الصليب الاحمر أو أي منظمات إنسانية عن طريق الأمم المتحدة أو غيرها من الوصول الى جنين. شهود العيان يروون مشاهدتهم لمآس حدثت في جنين وحدثت في نابلس وحدثت للأمن الوقائي في رام الله وغيرها.
ما هو موقف باول الذي جاء متأخرا الى فلسطين المحتلة؟ هل سيزور جنين ونابلس؟ أعتقد أنه لن يزورها لأنه لو زارها فإنه مهما تكن توجهاته وتأييده للصهاينة فإنه سيصرخ من هول ما سيرى في جنين؟ وقد لا يزورها وذلك خوفا لانه لو أصر على الزيارة فإن الصهاينة لن يتمكنوا من إخفاء جرائمهم بسرعة، ولذلك فلربما يدبروا له من يغتاله. وفي هذه الحالة سيحاولون ضرب عصفورين بحجر واحد. الأول منعه من رؤية المجازر والفظائع الصهيونية في جنين والثانية إلصاق التهمة بالفلسطينيين لتزيد عداوة الولايات المتحدة لهم. على كل حال لن يورط باول نفسه ويضعها في ذلك المأزق وليس حريصا على ذلك بدليل أنه توجه في اليوم الثاني مباشرة إلى شمال فلسطين ليتفقد هذه الجبهة. ويؤكد لسكان الجليل أن الولايات المتحدة ستقف معهم. أطلق باول تصريحات تحذيرية لكل من سوريا ولبنان وحزب الله عندما زار الجليل. ولذلك فإن زيارة باول تبدو تفقدية واطمئنانية على نجاح المهام الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني أكثر منها بحثا عن السلام ووقف الاعتداءات الصهيونية بدليل فشله في إيقافها.
قبل أن يبدأ باول بزيارته للمنطقة العربية في هذه الزيارة الأخيرة تم تنفيذ عملية استشهادية في أتوبيس في الجزء الشمالي من فلسطين المحتلة، حينها صرح الرئيس بوش الابن بأن الحاجة الآن اكثر إلحاحا لوقف الهجوم الصهيوني والعودة الى طاولة المفاوضات لكي يتم إنهاء العنف المتبادل حسب قوله، ولكن عندما تمت العملية الاستشهادية أثناء زيارة باول لفلسطين المحتلة، أرجأ باول زيارته للرئيس عرفات إلى يوم الاحد بدلا من السبت بل وضعوا شكوكا حول إمكانية إتمامها بسبب العملية الاستشهادية. الصهاينة دمروا مخيما بكامله وشردوا سكانه البالغين 15 ألف نسمة أما باول فيعترض على ردة فعل الفلسطينيين التي هي ردة فعل طبيعية لشعب مضطهد ومحاصر ويتعرض للمجازر!!!.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved