الوضع الحالي في الشرق الأوسط هو في طور التشكل الجديد، وبانتظار ربما خارطة جديدة في المواقف السياسية والاتجاهات الرسمية والشعبية بما يتلاءم مع الحالة الشرق أوسطية التي تمليها الظروف والمستجدات الدولية والإملاءات الاسرائيلية والتدخلات الأمريكية.. وخارطة الشرق الأوسط هي على أعتاب تحولات ربما تكون نوعية في تحديد السقف الأعلى في توقعات وطموحات القرار السياسي العربي.. وكذلك في ترتيب العلاقات البينية بين مجتمعات ومؤسسات المنطقة.
هذه هي ملامح الأفق القادم الذي بدأت تتشكل بعض معالمه على خارطة المنطقة، وستفرز الأسابيع والأشهر وربما السنوات القادمة ملامح هذا التغير وطقوسية هذا النهج الجديد.. ومن أهم الملاحظات التي يمكن ان نستشفها من ديناميكية الوضع القادم هو أن كثيرا من هذه التصورات يتم طبخها وتجهيزها خلف الكواليس وفي جنح الغرف المظلمة، وبتوجيه من أجهزة الاستخبارات العالمية.. وعلى الرغم من المحاولات الظاهرة لكشف هذه النوايا وفضح هذه المخططات التي تمارسها بعض المؤسسات السياسية العربية وبعض الأجهزة الإعلامية العربية الا اننا نظل متأخرين تماما عن ركب الدفع العالمي لتغيير خارطة المنطقة الى وضعية جديدة قد تكون مخالفة للوضعية التي اعتدنا عليها، أو ألفناها فيما مضى..
وينبغي التأكيد هنا إلى أن المنظمات الغربية الاستراتيجية التي تتخفى وراءها منظمات وقوى صهيونية في الولايات المتحدة الامريكية على وجه الخصوص تقف في تحد كبير خلف هذا التحول النوعي لخارطة الشرق الأوسط.. وتعمل هذه المنظمات على توظيف ظروف معينة لصالح هذا المخطط الصهيوني الذي بدأ يكشِّر عن أنيابه ويكشف غطرسته ويفرض عنجهيته على خارطة المنطقة.. وقد استثمر هؤلاء الاستراتيجيون مواقف معينة بنوا عليها فكرتهم ومخططاتهم التي تريد أن تقلب المنطقة الى حالة جديدة وترسم فيها خارطة بوضعية جديدة ومحددات نوعية تراعي فيها مصالح دولية أكثر من كونها تحتكم إلى مصالح وطنية أو اقليمية.. ومن هذه الظروف:
1 الظرف الذي فرضه ابن لادن على العالم وعلى المنطقة العربية والإسلامية بتفجيره والله اعلم مبنى التجارة العالمية ومبنى البنتاجون الأمريكيين.. حيث استثمرت القوى الاستخباراتية العالمية وخصوصاً الأمريكية ومن ورائها القوى الصهيونية هذا الحدث في محاولة لاستثمار تداعياته المتمثلة في هذه الهجمة الأمريكية على ابن لادن واعوانه في حكومة طالبان كواجهة فقط، ولكن الهجمة الحقيقية هي على العالمين العربي والإسلامي بما يحملانه من قيم وحضارات ومبادىء.
2 الوقفة العربية والإسلامية المتخاذلة التي وقفتها معظم الدول العربية والإسلامية من الهجمة الأمريكية على هذه الدول ومؤسساتها وتعاليمها وفكرها ومبادئها.. ومن الملاحظ أن معظم هذه الدول سجلت مواقف انفرادية، ولم تكن جماعية، وهذا ما جعل القوى الغربية تتكالب على كل دولة على حدة تقريبا من أجل وضع املاءات معينة.. ومن الخطأ الاستراتيجي الذي وقع فيه القرار العربي والإسلامي بعد حوادث التفجرات في الولايات المتحدة الأمريكية هو محاولة دولنا في العالم العربي والإسلامي أن ترخي رؤوسها أمام العاصفة الأمريكية.. وربما يكون هذا تكتيكا ناجحا إلى مرحلة معينة، الا انه ظل مستمراً على مستوى القرار الفردي.. وبمعنى آخر يتمحور هذا الخطأ الفادح في الموافقة دون شروط على الاستسلام لرزمة الأفكار التي حاولت الولايات المتحدة فرضها على العالم بحجة مقاومة الارهاب.
3 الموقف العربي خلال الأشهر الماضية ارتكب نفس الخطأ الفادح الذي وقعت فيه البلدان الإسلامية بما فيها العربية حيث تراخت الدول في مفهوم الارهاب، واضطرت اخيرا إلى الرضوخ للتعريف الأمريكي الغامض.. وخلال هذه المرحلة قفزت الصهيونية العالمية لتضع بل تفرض مفهوما لم يكن لينبغي قبوله من قبل الدول العربية أو بالاحرى مقاومته باقل الامكانات المتاحة لها، وهو عدم التفريق بين الارهاب والمقاومة، وهذا ما جعل الولايات المتحدة واسرائيل تعتسف الحقائق وتلحق المقاومات في الداخل الفلسطيني بسلسلة المنظمات الارهابية ووصفها شبيهة بتلك المتمثلة في شبكة القاعدة.. وتمادى التعريف الاسرائيلي بوصف السلطة الفلسطينية بحكومة طالبان.. وهكذا حققت الصهيونية العالمية بفضل حرص واصرار وضغط الحكومة الاسرائيلية كل اهدافها، فالعالم بعد ان دمر شبكة القاعدة، بدأ في خطوته القادمة في تدمير منظمات المقاومة الفلسطينية حماس والجهاد وفتح وغيرها.. والمتتبع للأحداث خلال الشهور الماضية، يلاحظ ان اسرائيل استطاعت ان تجذب الإدارة الامريكية رويدا رويدا إلى موقفها حتى تبنت حكومة الرئيس بوش ذات الموقف الذي انطلقت منه اسرائيل.. واصبحت الولايات المتحدة الامريكية هي التي تضغط وليس اسرائيل على حكومات العالم العربي والإسلامي من اجل ان تتبنى ايضا نفس الموقف الأمريكي.
فماذا كان يمكن عمله من خلال القرار السياسي العربي؟ ربما في ظني ان الدول العربية كان ينبغي عليها ان تصدر قراراً واحدا فقط، يتمثل في الرفض التام لكل الاستعارات السياسية التي حاول توظيفها شارون واقناع حكومة الرئيس بوش بها.. وتحديداً كان يمكن تبني حملة سياسية وإعلامية وفكرية تنادي برفض التعريف الاسرائيلي للارهاب، وبرفض الاستعارات الاسرائيلية بتشبيه المقاومة الفلسطينية بالارهاب رفضا باتا.. والعمل على طرح فكرة جوهرية بديلة وهي ان هذه المقاومة هي ضد الاحتلال الاسرائيلي وهي تالية للاحتلال وليست سابقة له، وبزوال الاحتلال ينتهي دور المقاومة.. وكان ينبغي التأكيد دائما على هذه الفكرة.. فعندما تحدث عمليات استشهادية نصرح مباشرة بأن هذه العمليات هي نتيجة لسبب واحد هو الاحتلال.. وان هذه العمليات هي مشهد سيىء لخلفية أسوأ.. وان الخلط بين السبب والنتيجة هو تسطيح ساذج لقضية المنطقة.. كان من المفترض ان يتم تداول هذه المقولة والفكرة وتدويلها عالميا عبر وسائل الإعلام العربية والعالمية لتصبح فكرة بديلة للاستعارات السياسية التي فرضها شارون على العالم والمنطقة واقنع بها هذا العالم الساذج.. أو الذي يحاول ان يدعي السذاجة في محاولة منه لتحقيق مصالح صهيونية معينة ضد الأمتين العربية والإسلامية.
من يتابع القنوات الأمريكية بشكل خاص يلاحظ فقط فكرة جوهرية يحاول الإعلام الاسرائيلي توزيعها ونشرها داخل المجتمع الأمريكي، وهي ان المجازر التي تحدث في الضفة الغربية هي لنفس الأهداف وبنفس الطريقة التي كان يقوم بها الجنود الأمريكيون في افغانستان.. فمن مقابلات مع بعض الجنود الاسرائيليين يحاورهم مذيعون امريكيون ويسألونهم عن المذابح التي كانت ترتكب في جنين على سبيل المثال، وكيف انهم لم يفرقوا بين العسكريين والمدنيين.. كان هؤلاء الجنود يجيبون وبصوت مرتفع انهم كانوا يقومون بنفس التفكير والدور الذي كان يقوم به الجنود الأمريكان.. فعندما كانوا يشتبهون ان احدى القوافل التي كانت تسير في احدى الطرق داخل افغانستان ربما قد يكون معها شخص من القاعدة فانهم لا يترددون في ضرب هذه القافلة وتدميرها عن بكرة أبيها، ويتضح فيما بعد انها ليست الا لمدنيين ابرياء.. فيردد الجنود الاسرائيليون انهم كانوا يقلدون الجنود الأمريكيين حيث كلما اشتبهوا في وجود«ارهابي» في منزل أو مدرسة أو مستشفى قاموا بتدميره مباشرة.. فهم ليسوا الا مقلدين لما كان يجري في افغانستان.. وهذا يجعل امريكا والرأي العام هناك يتراجع عن نقد الوضع المأساوي داخل فلسطين.. فاذا انتقد الجنود الاسرائيليون فهو نقد مباشر لجنودهم الامريكان الذين لايزالون هناك.
وهكذا فان ردة الفعل العربية والإسلامية لم تكن صارخة وقوية بحيث عكست تشكيكا في المواقف الاسرائيلية والأمريكية.. وبتنا نكتوي بنيران المواقف الضعيفة التي اتحناها للآخر الاسرائيلي والأمريكي.. ومن الواجب التأكيد هنا ان المواقف التي اتخذتها المملكة العربية السعودية ممثلة في فكر وسياسات وقرارت القيادة السياسية وتجسده في مواقف الأمير عبدالله بن عبدالعزيز كانت ذات وقفة تاريخية وحاسمة ومهمة في المرحلة الصعبة التي نواجهها اليوم.. ولم يضعف من مواقف المملكة الا التخاذل الذي اصاب بعض الدول العربية والإسلامية في مواقفها، وسرعتها في الاستسلام للموقف الأمريكي.. ومما يدل على ان مواقف المملكة هي الحاسمة في ابقاء الحدود الدنيا من المصالح العربية والإسلامية على اقل تقدير هو الهجمات الكبيرة الشرسة التي واجهتها المملكة من قبل الإعلام والمؤسسات الصهيونية العالمية، وخصوصا تلك التي تتمركز في نيويورك وواشنطن.
والمثال الصارخ الذي يوضح هذه الهجمة هو الوقع الكبير الذي احدثه التليثون السعودي خلال الأيام القادمة، حيث تابعت المؤسسات الصهيونية الأمريكية من خلال رؤوس الاعلام اليهودي في نيويورك وواشنطن هذه الحملة التي بدأها التلفزيون السعودي لنصرة ومساعدة الفلسطينيين.. ومما يثبت هذه المواقف المعادية للمملكة هو السؤال عن الحملة والتأكيد عليها بتكرار نفس السؤال عنها وتحويره وصياغته مرات اخرى في المؤتمر الصحافي للمتحدث باسم البيت الأبيض«اري فلتشر» يوم الجمعة الماضي، وسؤاله عن اين تذهب هذه الأموال الطائلة.. هل ستذهب الى الاستشهاديين وعائلاتهم.. وكيف يكون هناك تأكد من انها لا تذهب الى المنظمات«الارهابية».. لقد اثبت الاعلام الامريكي حقده الكبير على المملكة، وعلى القضايا الإسلامية التي تدافع عنها.. فبدأ من أول يوم لهذه الحملة بمتابعتها والتشهير بها والتغرير بالآخرين بأن المملكة تساند الارهاب حسب المفهوم الاسرائيلي.. وبدأت تلك المحطات تحلل ما يقوله المذيعون والمشايخ في هذه االحملة.. ومما لاشك فيه ان هذه الحملة قد اوجعت الكثير في تلك الديار.. وكلما زادت التبرعات والمكالمات والزخم الشعبي المؤيد لهذه الانتفاضة السعودية لنصرة اخوانهم الفلسطينيين زاد الرعب الذي تخلقه هذه التبرعات داخل المحافل الصهيونية العالمية..
* استاذ الصحافة والإعلام الدولي جامعة الملك سعود |