لقد كان للهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من أيلول 2001م وقع الصاعقة على المجتمع الأمريكي والدولي. ذلك أنها المرة الأولى التي تتعرض فيها أمريكا إلى هجوم على رموزها الاقتصادية والعسكرية المتمثلة في مركز التجارة الدولي والبنتاغون وكادت طائرة من الطائرات المهاجمة أن تصل إلى البيت الأبيض لولا أنها أسقطت قبل وصولها إلى واشنطن، ويؤكد المؤلف أن هذه الحادثة المروعة لم تحدث من فراغ، وإنما سبقها توتر أمريكي داخلي وتصدير لفوضى سياسية على الصعيد الخارجي. هذا الكتاب يعد دراسة بانورامية لمجمل العوامل التي لعبت دورا في الوصول إلى وقائع الثلاثاء الأسود.
من الكتاب:
تشومسكي يثبت بالوثائق أن أمريكا هي أول دولة خارجة على القانون:
«النظرية الحمقاء» أسلوب ردع جديد: اتفق الاستراتيجيون الأمريكيون على أن انهيار الاتحاد السوفياتي قد أصاب السياسة الأمريكية بحالة من فقدان التوجه وربما كان «هنتنغتون» أكثرهم صراحة في الإعلان عن ذلك عبر مقالته «تآكل المصالح الأمريكية»، لكن تحليلات عديدة أكثر جرأة وواقعية كانت قد نشرت في الصحافة الأمريكية دون أن تلقى اهتماما يذكر، مع أنها قد طرحت أسئلة في غاية الحساسية والخطورة حيث ان غالبيتها بقي حتى اليوم من دون أجوبة، ولعل واحدا من أهم الأسئلة هو السؤال عن مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، بعد أن فقدت إسرائيل موقعها الوظيفي بسقوط الشيوعية، فهي لم تعد قاعدة استراتيجية متقدمة في مواجهة الشيوعية، كما أنها فقدت دورها في حماية المصالح النفطية الأمريكية للمنطقة، حتى يمكن القول بإنها لم تعد تجد لنفسها وظيفة في الرؤى الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة، حتى وصل الأمر ببعض المتفائلين العرب إلى الاستنتاج بأن الولايات المتحدة تجد نفسها مضطرة للتخلي عن دعمها لإسرائيل عاجلا أم آجلا، وتدعمت هذه الطروحات عندما تولى الجمهوري «جورج بوش» الرئاسة، فراح يعمل وفق سياسة حزبه على تقليص النفقات وخصوصا منها التي كانت مخصصة لمواجهة الشيوعية ومحاربتها ورأى بعضهم في حرب الخليج الثانية محاولة أمريكية لتولي شؤونها بنفسها دون وسطاء، مما يضعف موقع إسرائيل كوسيط، وبذلك استطاع بوش أن يخسر أصوات اليهود ودعم بعض أصحاب المصالح، فخسر بذلك معركته الثانية للرئاسة، ليعقبه الديموقراطي الساعي «وفق سياسة حزبه أيضا» إلى زيادة الموارد الأمريكية، وهي زيادة تجلب الصراعات، ولكن كلينتون خاض هذه الصراعات شرط أن تكون محدودة أي أن تصل إلى حدود الثمن السياسي، لذلك كانت حروب كلينتون كلها رمزية ومقسطة، وهذا السلوك أدى إلى نوع من الفوضى الاستراتيجية، لأن الضحايا لا يتصرفون جميعهم وفق السلوك ذاته، فقد دفع «ميلوسوفيتش» مثلا الأمور باتجاه مواجهة اقتضت القصف الجوي الدموي مع الحصار في حين تنازل الإندونيسيون عن تيمور الشرقية دون إثارة أية مشكلات، وهكذا باتت السياسة الأمريكية غامضة ومثلها الاستراتيجية، وهذا الغموض كان شديد الإزعاج بالنسبة لإسرائيل التي وجدت نفسها تتحول من شريك إلى تابع عليه تنفيذ الأوامر وأصعبها شرب كأس السلام مع جيرانها. لكن هذه الفوضى وجدت بعض التفسير عبر دراسة استراتيجية سرية صدرت في العام 1995م «ضمن قانون حرية المعلومات» وتسربت بعد ذلك، قوام هذه الدراسة تحويل الردع من الاتحاد السوفيتي المنهار إلى ما تسميه ب«الدول الخارجة على القانون» وبذلك تكون هناك فرص عمل جديدة لأولئك المتعطلين عن العمل بعد سقوط جدار برلين «ومنهم إسرائيل»، كما أنه لا يعني أن الولايات المتحدة تواصل الإفادة من الأموال التي تنفقها على هؤلاء الأصدقاء! ولكن ما هي الدول الخارجة على القانون؟ إنها الدول الموضوعة على لائحة الحصار الأمريكي، حيث تأتي كوبا والعراق وكوريا الشمالية وليبيا ثم تليها الدول الداعمة للإرهاب وقائمتها طويلة ومتغيرة ويمكن ضم وإخراج أعضاء جدد إلى نادي الدول الخارجة على القانون وبذلك أعادت الولايات المتحدة ترتيب موقعها بوجود أعداء بدلاء عن العدو الذي فقدته فراحت تسعى لاهثة عن بديل له، وها هي قد وجدت ضالتها.
لكن هذا الطرح ينطوي على جانب مثير للسخرية، وهو هل يمكن للمجرم أن يتحول إلى شرطي ينفذ القانون ويتستر بذلك كي يتابع إجرامه! وكان من الطبيعي أن يتبنى «نعوم تشومسكي» هذا الجانب الساخر وأن يتولاه بالتوضيح، فهذه الموضوعات باتت حقل اختصاصه المميز وهو قد أصدر بهذا الخصوص كتابا بعنوان:
rogue states the role force in world affairs
وفيه محاولة جادة وموثقة لإثبات أن أمريكا هي الدولة الخارجة على القانون ولإثبات ذلك يستعين تشومسكي بالوثائق المنشورة كما بالوثائق التي أفرج عنها حديثا فلم تعد سرية.
|