يحاول هذا الكتاب، الكشف عن دور العرب في نشأة وتطور أحد أهم العلوم الأرضية/ الجوية الهامة في حياة الإنسان، ألا وهو علم المناخ، ذلك العلم الذي نشأ وتطور كعلم تطبيقي، مما حدا بالعرب في بواديهم الشاسعة وتنقلاتهم الواسعة، وامتداد اراضيهم الكبيرة في عصر الازدهار الإسلامي، لأن يعيشوا تباينات المناخ المكانية والزمانية، ويعايشوا مظاهره المتنوعة، مما دفعهم إلى البحث عن كنه ما عاشوه وما عايشوه، معتمدين في ذلك على الملاحظة والاستنتاج والاستقراء. وعلم المناخ بمفاهيمة وأسسه، ليس علما حديثا وإنما هو علم قديم، واسهامات العرب فيه أكثر من أن تقدر ويحاط بها جميعا. وصفحات هذا الكتاب، تحمل هذا التأكيد، فعلم المناخ هو علم عربي في نشأته وتطوره، ويدل على ذلك الكثير من المفاهيم المناخية العربية الأساسية التي ما تزال مستخدمة حتى يومنا الحالي، ولقد حاول المؤلف هنا، إظهار إنجازات العرب في ميادين علم المناخ المختلفة.
من الكتاب
التنبؤ الجوي في التراث العربي
لم يكن في أيام العرب القدامى منذ نحو 500 سنة و ما قبل، أي قبل القرن الخامس عشر الميلادي، أجهزة رصد جوية، ليعرفوا بدقة درجة الحرارة والضغط وسرعة الرياح وكمية الهطول وشدته..، ولم يكن في ذلك التاريخ خرائط طقس ونشرات تنبؤ جوي، كالتي نعرفها اليوم. ومع ذلك كله، فقد كان للعرب وغيرهم من شعوب الأرض معارفهم الجوية، المكتسبة بالخبرة، أو بالنقل من السلف الى الخلف، وكانوا يجيدون التنبؤ بالأحوال الجوية المقبلة. إن الحالة الجوية هي وليدة عدة مؤثرات تعمل على إيجادها، كما أنها الحالة الجوية محصلة لتفاعل عدة عناصر مناخية«درجة الحرارة والضغط الجوي والرياح والرطوبة الجوية والتكاثف والتهطال» تختلف فاعلية هذه العناصر المكونة لها بالنسبة إلى بعضها، بحيث يطغى أحيانا عنصر على آخر، ولكن مع ذلك فإن أحد الموثرات أو أكثر وأحد العناصر المكونة للحالة الجوية، يمكن له أن يدل على حالة جوية لاحقة، وهذا ما ركز عليه الأقدمون في تقديراتهم لما ستكون عليه الحالة مستقبلا«ساعة، نصف يوم، شهر.. وحتى سنة أو سنوات» كما أن ملاحظاتهم المستمرة للظواهر الجوية ومعايشتهم لها، جعلهم يربطون ما بين مظهر من مظاهرها وحالة جوية معينة منتظرة الحدوث قريبا. ولم يتوقف العرب عند ملاحظاتهم الجوية القريبة، المستمدة من أحداث جوية أو أحداث أرضية، بل تجاوزوا ذلك الى النجوم في السماء ليجعلوا منها دليلا على أحوال جوية معينة من حرارة ورياح ورطوبة وهطول، وهذا نوع من التنبؤ الجوي المتوسط المدى والطويل المدى. ولقد تضمنت أقوال العرب وأسجاعهم وقصصهم وحكاياتهم مظاهر عديدة عن التنبؤ الجوي، ما يزال الجيل الحالي يتعامل مع بعضها لتوفقها مع الحقائق العلمية الحالية المستخدمة في التنبؤات الجوية الحديثة. إن عناصر الجو وما يتولد منها من ظواهر جوية مرتبطة مع بعضها فبعضها يولد البعض ومنها ما يدل على الغير دون أن يكون هو السبب والمتسبب فيه، فالحرارة مؤشر على الضغط الجوي الذي بدوره هو العامل الرئيسي المحرك للهواء أفقيا أو رأسيا، وهذا وذاك يقودان إلى أحوال جوية معينة، حسبما تكون المنطقة مرتفعة الحرارة أو منخفضة، رطبة أو جافة، والضباب رغم أنه لا يولد الصحو أو الاضطراب، إلا أنه يدل على أحوال جوية تعقبه حسب فترة تشكله وطبيعته وإن كان هو نتاج عوامل معينة تؤدي إلى تشكله من رطوبة جوية واستقرار نسبي في الهواء.. وكذلك أيضا فإن للرياح، جهة وسرعة وللسحب، وللصقيع.. وغير ذلك، مدلولات جوية معينة.
|