تلوح معركة أخرى طويلة الأمد بين أكبر مصدري النفط في العالم «المملكة العربية السعودية وروسيا».
لهذه المعركة نتائج مهمة تنعكس على الاقتصاد العالمي وخاصة على أمن الطاقة الأمريكي ومكانة روسيا من العالم ومستقبل التنافس السعودي ومكانة منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك».
خلال الأعوام الماضية نجد ان روسيا تنتج بترولا ولكنه ازداد عاما بعد عام حتى وصل معدل الزيادة الى نصف مليون برميل في اليوم وبهذا صارت أكبر دولة منتجة للنفط بالعالم مما جعل العالم يفيض من متطلبات النفط المطلوبة.
وبهذا وجدت السعودية نفسها وحسب ما طلبه منها شركاؤها في «الأوبك» ان تخفض انتاجها النفطي الى حوالي 5.3 مليون برميل في اليوم، ومن ثم في «يناير 2002» فقط طلبت الأوبك من أعضائها تخفيض الانتاج بحوالي 5.1 مليون برميل في اليوم وذلك للانخفاض الحاد في الأسعار نتيجة أحداث سبتمبر.
ونجد ان روسيا أيضا قد خفضت انتاجها حتى تدعم موقف دول الأوبك، ولكن نجد ان دول الأوبك أيضا بقيت غير راضية عن مكاسب روسيا ببيع النفط في الأسواق العالمية.
نجد ان روسيا ودول القوقاز سوف تزيد من انتاجها النفطي في العام القادم وسوف يكون ضحية هذا الوضع المملكة العربية السعودية والكويت ومن ثم الدول المنتجة للنفط، بل نجد حتى الشركات الضخمة التي تتعامل مع دول الأوبك وتبقى الدول التي تعمل في تنمية استثماراتها النفطية خارج مظلة منظمة الأوبك.
ولقد جاءت هذه الزيادة في البترول الروسي كمفاجأة لدول الأوبك ولاسيما وإنها بدأت حديثا أي عام 1996م ولقد بلغ حجم انتاجها حوالي 7 ملايين برميل في اليوم ولقد نسي الكثير من الناس ان موسكو تمتلك مصفاة تنتج أكثر من حوالي 5.12 مليون برميل قبل انهيار الاتحاد السوفيتي.
وانتاج روسيا من النفط يعتبر أكبر انتاج دولة في العالم حيث يبلغ حوالي نصف انتاج العالم من البترول ويعتبر هذا الرقم حوالي واحد وثلث أكثر مما تنتجه المملكة العربية السعودية حسب أرقام عام 2000م.
لقد ساهم نفط روسيا في خفض أسعار البترول كما لم يحدث قط إلا عام 1980م لقد بدأت روسيا انتاجها بحوالي مليون برميل في اليوم ولكن في السنتين الماضيتين ضاعفت انتاجها مما جعل الأوبك تقلل من انتاجها النفطي ولكن ما زالت أسعار البترول في هبوط.
وهذا الموقف لم يعد أبداً مدهشا من روسيا حيث إنها تحاول استرداد مجدها وقوتها السابقة التي فقدتها بعد انهيار النظام الشيوعي. ورغم أن أحداث سبتمبر تعتبر فرصتها الذهبية لتصدير ما يمكن تصديره من النفط ولكن نجدها أيضا قد تأثرت لأنها حاولت أن تعقب الأوبك في تحديد أسعار النفط وبالتالي تمسك بزمام ثقة زعماء العالم أجمع في تحديد سعر مناسب، وبهذا نجحت موسكو في كسب العالم سياسيا واقتصاديا.
اقتصاديا جعلها تتقرب من الدول الصناعية الغربية، وسياسياً فقد بدأت تجني ثمار اكتسابها للمادة التي تبقيها كشريك قوي في السياسة العالمية لأمريكا.
زعيم القمة:
بما ان متطلبات البترول بالنسبة للعالم في ازدياد دائم فهي تتراوح ما بين «5.1 2» مليون برميل في اليوم كل عام. ولقد خططت وكالة الطاقة الأمريكية بجانب وكالة الطاقة العالمية بأنه سوف يزيد من «77 مليون برميل في اليوم» الى «120» مليون برميل في اليوم من خلال العشرين عاما القادمة، والدول المعنية بالزيادة في الطلب تبقى هي الولايات المتحدة الأمريكية وأسواق جنوب وشرق آسيا.
ولقد أكدت هذه الوكالات المذكورة ان كل هذه الزيادات سوف تأتي من دول الأوبك والتي يتوقع ان يزيد انتاجها من 28 مليون برميل يوميا عام 1998م الى «60» مليون برميل يوميا في عام 2020م. ومؤكد ان معظم هذه الزيادة سوف تأتي من الشرق الأوسط وبالأخص المملكة العربية السعودية ولزاما علينا ان نؤكد ان حوالي 63% من احتياط النفط بالعالم يأتي من الشرق الأوسط، ونجد ان حوالي 25% منه وهو ما يساوي حوالي 261 مليون برميل من المملكة العربية السعودية وحدها.
والاستراتيجية السعودية تتركز على مضامين مختلفة أولها العلاقة الحسنة بينها ودول الأوبك، العلاقة والروابط الحسنة بينها وبين الدول المنتجة للنفط وهي خارج مظلة الأوبك مثل النرويج وروسيا والمكسيك.. وتم أخيراً علاقة السعودية بالدول المستوردة للبترول وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا.
وبما ان للقطاع النفطي وانتاجه تأثيراً واضحاً على الاقتصاد السعودي فلهذا نجد ان الموقف يعد صعباً في ظل الأسعار الهابطة للبترول، خاصة وأنها في السنوات الماضية قد انتجت أقصى ما يمكن انتاجه مما انعكس هذا الوضع رخاء أو سخاء على الشعب السعودي، فالسعودية تود ان تبقى أسعار النفط على ما هي عليه، ولأطول فترة ممكنة، ولكن الأسعار لم تبق كذلك عالية وليست كذلك منخفضة لتحقق ما يمكن تحقيقه.
ولهذا وجب على السعودية ان تضع سعراً واقعياً يرضى به الجميع منتجين ومصدرين، حتى يتسنى لها ان تحافظ على أسعار النفط كما هو عليه، أي بسعر واقعي ومتوسط بحيث يرضى الجميع، وهذا لن يتسنى لها إلا بالتعاون مع دول الأوبك. وبهذا وجب علينا ان نضع كمية معقولة كاحتياط نفطي لنحافظ على سقف الأسعار.
وبهذا نجد السعودية بين قطبي الرحى بين الاحتفاط باحتياطيها وبين عملية تركيز الأسعار، فالسعودية تنتج حوالي 4.7 ملايين برميل في اليوم، بينما يبلغ احتياطيها حوالي 3 ملايين برميل في اليوم، وهذا الاحتياطي يمكن ان يغطي انتاج كل الدول الأخرى المصدرة للنفط إذا حاولت اغراق السوق أو تقليل الكمية بحيث ترفع أسعاره، وهذا الاحتياط جعل من المملكة امكانية ان تتحكم في أسعار البترول العالمية كما جعلها أيضا تخلق علاقات متينة مع الولايات المتحدة وبعض الدول الكبرى المصدرة للنفط.
وبهذا جعل السعودية بدبلوماسيتها الحكيمة ضامناً لأمن الطاقة بالعالم لاسيما وان هذا الاحتياطي يمثل أكثر من انتاج كل الدول المصدرة للبترول ما عدا روسيا.
وتعتبر هذه الثروة الروسية بمثابة امتلاك للسلاح النووي فيمكن استخدام قوة هذا السلاح ضد الدول التي تتحداها وتتحدى أهدافها ومراميها، وأيضا يمثل هذا السلاح مركز ثقل مهم لأواصر الصداقة الأمريكية بحيث تمثل السعودية حجر الزاوية بالنسبة للسياسة الأمريكية تجاه أمن الطاقة العالمي.
ولهذا فإن المملكة لن تحاول قط ابتزاز صديقتها الولايات المتحدة باغراق سوق النفط أو انخفاض الضخ بصورة حادة مما يجعل سوق النفط عالميا في تدهور ويبعده عن الثبات.
إن هذا الاحتياطي من النفط يخدم المملكة العربية السعودية في الضغط على الدول غير المنضوية تحت لواء منظمة «أوبك» بأن يكون لزاما عليهم التعاون مع السعودية في أي أمر ضروري يهمهم. وحاليا تهدد السعودية الدول التي تتحداها باستعمال احيتاطيها النفطي. وهذا التكتيك ربما تستخدمه السعودية إذا تجاهلت روسيا مطالبها تجاه التعاون المشترك.
نجد هذا ماحدث بالضبط حينما تحدت فنزويلا السعودية بأن زادت من حجم انتاجها النفطي لأعلى سقف له، ولا سيما وان حجم انتاجها المقرر من قبل الأوبك كان حوالي 2.3 ملايين برميل في اليوم. ولكنها خرقت هذا الاتفاق بأن فتحت مجال الاستثمار العالمي في مجال النفط وفي خريف عام «1997م1996م» انتجت فنزويلا 3 ملايين برميل في اليوم.
في بداية الأمر حاولت السعودية ان تتفاهم معها ولكن فنزويلا رفضت مما جعل السعودية ترفع معدل انتاجها النفطي حوالي مليون برميل فانهار أسعار البترول عالميا آنذاك مما سبب خسائر مؤلمة لكل الدول المصدرة للنفط عالميا.
ولكن رغماً من ذلك فقد نجحت المملكة في ايصال رسالتها القوية تجاه من تسول له نفسه بخرق مواثيق التعاون المشترك وبهذا فقد نصبت السعودية نفسها كقائد فعلي لمنظمة «الأوبك»، بل إنها أيضا روضت كل الدول غير المنضوية تحت لواء منظمة «الأوبك».
نجد ان علاقة أمريكا بالسعودية علاقة «مركبة» وليس كما يظهر على مسرح الأحداث، فهنالك مصالح مشتركة تجمع بين الدولتين وهي متعددة ومهمة على النطاق العالمي، ونجد ان احداث سبتمبر قد عقدت هذه العلاقة وذلك لأن شعوب كلا البلدين رفضت العلاقة الحكومية، بل تشاءمت بهذه الأواصر التي تجمع بينهما.
فواشنطن تدرك تمام الادراك موقف السعودية الحرج تجاه القطاع النفطي بالعالم وخاصة الأسعار الجديدة المخفضة لسعر البرميل، ومن ناحية أخرى فإن السعودية تدرك موقفها المفضل والقوي لدى أمريكا من ناحية انها الدولة المصدرة الأولى للنفط لأمريكا، حيث تصدر لها حوالي 7.1 مليون برميل في اليوم.
وكذلك هنالك حوالي 10 ملايين برميل قد تم تصديرها لأمريكا كاحتياطي.
وبالتالي ندرك ان السعودية تلعب دورها المهم بكفاءة عالية حيث انها تدرك إذا تركت الأمور على عواهنها فإن حوالي نصف انتاجها لن يذهب لأمريكا وذلك لأن تنافس السوق العالمي سوف يحتل محلها.
وبهذا فالسعودية تتحمل كثيراً من الخسائر تجاه هذه السياسة المحكمة وكل هذا ينصب في سبيل استقرار أسعار البترول عالميا وغير هذا فلن يهم شيئا.
وبل وإننا نجد ان شركة النفط السعودية العملاقة «أرامكو» تخسر حوالي واحد دولار عن كل برميل يتم تصديره لأمريكا وأوروبا ودول غرب آسيا، وهذا السعر يكلف السعودية حوالي «260» بليون دولار عن كل عام لقاء أمريكا لوحدها.
ولا يخفى على أحد بأن السعودية لها مطلق الحرية في ان تمد أي قطر ما بالعالم بالنفط ولن يملي أحد عليها سياسته ولهذا فسوف تتوسع في إمداد دول آسيا بالبترول لاسيما وان هذه الدول تحتاج لمزيد من البترول لاحقا.
ونجد ان أمريكا تشارك في أسواق البترول بل تعد من أكبر الأسواق العالمية وفاق حجم استثماراتها حجم كل الدول المستوردة ما عدا اليابان والصين.
ونجد ان حسابات أمريكا قد ازدادت في أسواق البترول حتى إنها فاقت عام 1990م حوالي نصف ما انتجته دول «الأوبك» ومن هذه الحقائق يتضح لنا قوة الولايات المتحدة في عالم أسواق النفط العالمية.
يكمن الأمل بالنسبة للسعودية ودول الأوبك في ان تزدهر أسواق النفط وان تتعاون هذه الدول في تركيز أسعار النفط بما يضمن مصالح أمريكا. وبالتالي ليس لأجل أمنها تركن السعودية لأمريكا وإنما لأجل المصالح الاقتصادية المشتركة بين هاتين الدولتين المهمتين بالعالم.
وأخيراً تدهورت العلاقات بين السعودية وأمريكا وخاصة بعد أحداث سبتمبر ومن ثم ما تبعه من أحداث فلسطين المروعة وغض الطرف من بوش تجاه ما يحدث ولكن قبل هذا لا يفوتنا أن ننوه للخلاف بين الدولتين تجاه أسعار النفط فقد نتج ان ادارة بوش أوعزت للدول غير المنضوية تحت لواء الأوبك بأن تزيد انتاجها النفطي.
الغبار الذي يسبق العاصفة
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت الشركات العالمية تدرك ان احتياط النفط الروسي ودول أواسط آسيا يعتبر المنافس الأول لاحتياط نفط دول الشرق الأوسط، ولكن خاب أمل هذه الشركات وخاصة حينما غرقت أسواق هذه الدول المعنية في فساد وانحلال ضخم مما يصعب فيها العمل الاقتصادي والاستثماري. وفي بداية عام 1990م حينما بدأت دول الشرق الأوسط تطور من انتاجها النفطي بحيث يصبح أقل سعراً من النفط الروسي وبل حتى وإن السعودية والكويت قد اعلنتا فتح بلادهما لشركات الاستثمار العالمية لتستثمر فيها، ولقد وضعت هذه البلدان ربما يجمع الروس شملهم في وحدة كونفدرالية يقوي عودهم. ولهذا فقد روجت دول «الأوبك» للفضائح التي حدثت في مجال النفط الروسي وكيفية ضياع حقوق صغار المستثمرين من الروس تجاه أسهمهم.
ولكن حالياً تبدل الأمر فصارت هذه الدول تزيد من كمية انتاجها النفط، ونجد ان دول الشرق الأوسط قد تضاءل انتاجها ولاسيما وان عمره قد بلغ عشرين عاما.
ونعلم ان انتاج دول «الأوبك» قد بدأ عام 1980م ولم يستثمر النفط عالمياً إلا عام 1980م حيث كان غير متداول عالميا عام 1970م.
في هذه الأحيان فقد ازداد حجم تدفق النفط بدولة كازاخستان وبالتالي ازداد حجم النفط بالاتحاد الروسي وشركات إنى أكسو، موبيل وأخرى قد أعلنت أنها طورت انتاجها بما يصل الى حوالي 50 بليون برميل بمنقة «كاشقان».
أما أكبر شركة منتجة للنفط بروسيا وهي روسية الأصول فتدعى «لوكيل» فقد أعلنت حديثا انها قد اكتشفت حقلاً ينتج حوالي «50» بليون برميل من النفط الجيد.
بينما كشفت الأخبار ان منطقة كاسبيه شلف تحوي حوالي 75 بليون برميل من النفط ويمثل هذا حوالي 115% من كل كمية النفط التي تحويها منطقة الاتحاد الروسي حتى عام 2000م.
وحاليا نجد ان كل المشاكل التي كانت تقف حجر عثرة في سبيل تطور عملية تصدير النفط قد انتهت «الفساد» مما مكن روسيا من زيادة كمية نفطها وصادراتها بل طورت من نوعية النفط المصدر. وظهرت نتائج هذه المساعي في عام 2000م حيث زادت الكمية بصورة ملحوظة. ولقد تم انتخاب الرئيس «بوتين» كرئيس لروسيا، ومن ثم بدأت الشركات الروسية في العمل وخاصة بعد تنظيم العمل والادارة بالبلد.
ولقد بدأت الشركات الروسية النفطية في ابرام عقود طويلة المدى مع عدة شركات عالمية وعدة دول وهذه الشركات هي «كونكر بي بي أماكو أكسون موبيل شل الهولندية هولبيتزن شلمبيرقر».
ونتيجة لهذه الخطوات المهمة فإن القطاع النفطي بدول الاتحاد الروسي قد تطور بما يمكن حاليا ان ينتج حوالي 2 مليون برميل في اليوم بين عامي «2002 2006»، ونجد ان طاقة دول بحر البلطيق تنمو لتصل لحوالي «4.0 مليون برميل في اليوم» في عام 2004م.
يمثل خط أنابيب كاسبيه والذي يربط بين حقول كازاخستان وموانىء روسيا التي تقع على ضفاف البحر الأسود سوف يضيف حوالي 5.1 مليون برميل بين عامي «2008 2006».
وتمثل صادرات شركتي اكسون موبيل وشل في منطقة شاكلين والتي تقع في أقصى الشرق من روسيا سوف تضيف حوالي «2.0 مليون برميل في اليوم» وتمثل الحدود الروسية مع الدول الآسيوية موقعا مهما للاكتشافات البترولية الجديدة.
أما وسط آسيا فالانتاج يتمثل في منطقة يوكس التي تعتبر ثاني أكبر منطقة لانتاج النفط بحيث انها تجهز لتصدر للصين حوالي «5.0» مليون برميل في اليوم من حقولها في شرق سيبيريا.
ولأجل ان تنافس روسيا عالميا كان لزاما عليها ان تحكم قبضتها على ميدان النفط وتضبط الحسابات وتطور المجال الاداري وتنظمه، مما يسهل عمل الشركات ويضمن حقوق صغار المستثمرين ويضمن ايضا حقوق الشركات التي تعمل في هذا المجال. وأيضا نجد انهم خفضوا من كمية الضرائب والغرامات على الشركات النفطية.
واشنطن خدمة الجزيرة الصحفية:
|