Monday 15th April,200210791العددالأثنين 2 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

وعلامات وعلامات
خصوصية الثقافة العربية في عصر العولمة! (3)
عبدالفتاح أبو مدين

] وتعود انبعاثات أصول العولمة تاريخيا إلى انبعاث المنظومة الرأسمالية، وهي المنظومة التي ورثت تركة عهد الاقطاع والقياصرة، بعد مخاض وصراع عمل على إذكائه آراء فلاسفتهم وعلماء الدنيا عندهم، ولأجل إيقاف استغلال رجال النفوذ والمال للكنيسة والكهنوت؛ وما اقترفوه من استغلال للإنسان وطاقاته في وضع صارخ للعبودية والامتهان. وتعتبر الاكتشافات العلمية والتطورات التقنية، والتقدم الصناعي من بين أهم الحوافز التي عملت على تقويض مركزية الإقطاع والكنيسة؛ لتنطلق المراجعات والإصلاحات الدينية، على تفاوت الحقب التاريخية في بلدان أوروبا؛ من القرن الثاني عشر إلى القرن الثامن عشر، حتى آل الأمر من بعده إلى الفصل في أمر الكنيسة نهائيا؛ بحيث لم يعد رجالها شركاء في النفوذ وشؤون الحياة. وأسست تبعا لذلك دول تنبني على القانون الوضعي والدستور المدني، يضعه الإنسان وضعا صادرا عن مصلحته، وطرق منافعه في الدنيا، وبناء على ما وصلته علومه في الصناعات والأسواق والتجارات، وكان دور الفلاسفة التنظير لهذه الاختبارات والتمهيد لإحداث التغيرات، ويمكن التدليل على ذلك بأهم منجز في الاجتماع الغربي الحديث؛ بكتاب جان جاك روسو (1712 1778) الموسوم «بالعقد الاجتماعي» (نشر سنة 1782)، وقد حدد فيه صاحبه ما على أطراف المجتمع المدني من حقوق وواجبات.. إلا أن ما يهمنا نحن من تاريخ الغرب الحديث هو بيان ما فرضته هذه النظم الحديثة من أطماع مردّها فائض السلع الصناعية؛ وما ترمي به آلات المصانع للسوق، وحاجة هذه المؤسسات إلى المواد الخام.. وكل تلك الضرورات تميزت بها بلداننا إلى هذه الأيام. حيث إننا لتأخر في العلوم، أدّى إلى تخلف أصاب صناعتنا، ولكثرة في نسلنا وحاجاتنا، شكلنا سوقاً مثلي لسلع الغرب المتقدم، ولغناء ارضنا بالذخائر والكنوز من المعادن النفيسة، كنا محط أطماع الغرب وهدفاً لمشروعاته التنموية. لهذه الأسباب عمل الغرب بجميع أممه، وعلى اختلاف مراتبه على السعي لاقتسام تركة الرجل المريض الممثل في السلطنة العثمانية، وراح العالم العربي والإسلامي لقمة سائغة تتجاذبها مصالح الدول المسماة متقدمة. ولقد أفرزت المنظومة الرأسمالية الاستعمارية بما انبنت عليه اساسا من خواء روحي وثراء مادي؛ ضياعا للإنسان الغربي ذاته؛ حتى صار عبدا لأهوائه، عبدا للآلة التي حكمتها قوى المال والنفوذ عندهم، وأصبح الذي كان يؤمل النجاة من ظلمات العهد الإقطاعي غريبا غربة الأمس مضطهداً، لا إنسانية في علاقاتهم ولا قيم تحميه. ولغياب الرسالة السماوية في ذهنه وانغماسه في الحياة الوضعية التي ألفها على غير الهداية الربانية، طفق يبحث عن مخرج من جانب من ادعوا الرجوع إلى طبيعة الإنسان المشاعة الأولى من أهل الأفكار الاشتراكية، سعيا وراء المخرج والملاذ، إلاّ أن ما جره المعسكر الشرقي من الويلات على الإنسان خيّب آماله، فقد اختارت المنظومة الشرقية الحكم بالحديد والنار، وأعادت فلسفة الهيمنة في لبوس النجاة، وفي الشعارات الباهرات.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved