* لندن خدمة الجزيرة الصحفية:
اجتاح ارييل شارون الضفة الغربيه كما قال، بهدف اجتثاث الارهاب وعزل ياسرعرفات. وفي نابلس ومخيم جنين لللاجئين وبلدات وقرى أخرى يبدو ان الجنود الاسرائيليين قد قتلوا عدة مئات من المسلحين الفلسطينيين وعددا اكبر من المدنيين ايضا.
بيد ان السيد شارون، وليس السيد عرفات هو الذي تم عزله بهذا الهجوم، فبعد معارضته مطالب الانسحاب الصادرة عن الامم المتحدة والولايات المتحدة والجميع تقريبا، زاد شارون أعداء اسرائيل و فرّق اصدقاءها ولطخ سمعتها في محكمة الرأي العالمي بالسواد.
بالحكم على شعبيته المتزايدة، نجد ان الاسرائيليين يرون ان سمعتهم الدولية ثمن يستحق التضحية به بدلا من ان يلقوا حتفهم في انفجار حافلة عند ذهابهم للعمل.
لكن الامن الشخصي الذي وعدهم به السيد شارون ليس الا وهما، فالهجمات الانتحارية اليومية التي كانت مبررا للغزو الاسرائيلي توقفت لتسعة ايام بعد تحرك الجيش الإسرائيلي قبل ان تعود في اليوم العاشر.
ولو كانت للسيد عرفات دولة لقلنا انه يستطيع وقف هذه العمليات مستقبلا، لكن كدولة هي اليوم اقل مما كانت عليه في السابق، كما أنها أقل قدرة من قبل على السيطرة على عمليات التفجير حتى لو اراد عرفات ذلك.
وفي الوقت نفسه فإن سمعة اسرائيل الجيدة ليس الشيء الوحيد الذي يدمره شارون، فهو يدمر أيضا شيئا أثمن هو: اعتقادالإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء في امكان وجود تسوية عادلة بين مطالب الشعبين.
لقد وقع الطرفان أسرى لعبة لوم لا تنتهي يتهم فيها كل طرف الآخر بقتل الأمل وكلاهما مصيب، وبذلك فإنهما فشلاً، فالسيد عرفات فشل بالوفاء بما وعد به في اتفاقيات اوسلو من منع المناطق التي يسيطر عليها من التحول إلى قواعد انطلاق لهجمات فدائية وإرهابية على اسرائيل. ولكن السيد شارون فشل في منح الفلسطينيين أي بصيص من الأمل في تحقيق اهدافهم بوسائل بعيدة عن العنف.
إسرائيل الكبرى من جديد
لو كانت تلك قضية رفض للإذعان تحت وطأة القتال، لكان فشل شارون مقبولا، معظم الاسرائيليين يعتقدون ان البقاء يعتمد على عدم اظهار الضعف، والمشكلة مع شارون انه لا يقبل المبدأ الذي يعتمد عليه أي سلام يمكن تخيله، أي انسحاب اسرائيل من معظم الاراضي المحتلة عام 1967، وهو ما يسمح لدولة فلسطينية قابلة للحياة أن تقوم في الضفة الغربية وغزة.
والآن، ها هو بذرف دموع التماسيح على اتفاق اوسلو المنهار الذي لم يؤيده قط.
اما تحت قناع محاربة الإرهاب فانه يصدر كل إشارة ممكنة لإحياء رؤيا «اسرائيل الكبرى» للأبد في الضفة الغربية التي ألهمت حكومات الليكود في السبعينات والثمانينات.
في الأسبوع الجاري قطع شارون وعداً أمام الكنيست بسحب جيشه من الاراضي المحتلة حديثا، لكن الى «منطقة عازلة» فقط، من اجل التفاوض مع قيادة فلسطينية «مسؤولة» غير السيد عرفات، وللبحث عن «اتفاق طويل الامد»، وليس عن سلام نهائي.
كما أنه وسع حكومته لتشمل الحزب الوطني الديني بقيادة قومي متطرف يعارض أي سيادة وطنية فلسطينية غرب نهر الاردن، ويتنبأ بهجرة فلسطينية خارج البلاد.
إذا كان هذا هو مصير الفلسطينيين بعد وقف إطلاق النار فإن كولين باول وزيرالدفاع الأمريكي سوف يعمل على إضاعة الوقت في ترتيب إطلاق نار من هذا النوع لأنه لا يحمل أي أفق للاستمرار على الإطلاق، والفلسطينيون الذين تحملوا 35 عاما من الاحتلال طويل الأمد، لم يعودوا في مزاج للخضوع ثانية للقبضة الحديدية الإسرائيلية.
أما عرفات فإن من غير المجدي لشارون أن يصف قرار السيد باول بلقاء الزعيم الفلسطيني بأنه «خطأ فادح»، وسواء احببته أم لا وسواء تغاضى عن الإرهاب أم لا فإنه القائد الفلسطيني الوحيد الذي يعترف بشرعيته الفلسطينيون وبالتالي بقية العالم.
وإن كان هناك أمل في أي سلام متفاوض عليه فإنه يحتاج إلى موافقة عرفات.
السلام الآن؟
يبدو الوصول إلى سلام عبر التفاوض أصبح بعيدا كما لم يكن من قبل، لذا فإن الأولوية بالنسبة لبوش، الذي يحاذر ألا يورط نفسه مثل بيل كلنتون في الشكاوى الغامضة للعرب والإسرائيليين فهي إخماد الحريق قبل أن ينتشر ويعقد خططه الخاصة بالعراق.
ولكن سيكون من المحزن أن تكون هذه حدود طموحه، فإذا كان الوضع المعطل الراهن يشير إلى أي شيء على الإطلاق فإلى أن النار لا يمكن أن تطفأ من دون إحياء الأمل أيضا.
الإسرائيليون يحتاجون إلى أن يكونوا قادرين على الأمل في أن ينتهي العنف من دون أن يكون على جنودهم أن يبقوا في الضفة الغربية لمكافحته، والفلسطينيون يحتاجون أن يكونوا قادرين على الأمل في أن ينتهي الإرهاب وأن ينتهي الاحتلال أيضا.
إذا كانت أمريكا جادة في إعادة الأمل فإنها لا تستطيع أن تعتمد على خطتها الراهنة ذات الخطوات الثلاث لإنهاء الانتفاضة: وقف إطلاق النار يتلوه استئناف للتعاون الأمني وبعده إجراءات بناء الثقة مثل تجميد بناء المستوطنات.
إن أحد الآثار المتناقضة لحرب شارون هو أن هذا التقدم للخطوات المتواضعة يبدو الآن أقل واقعية من «القفزة» الفورية نحو سلام نهائي.
فرجال الشرطة الفلسطينية الذين قاتلوا إلى جانب المسلحين الفلسطينيين اليوم لا يتوقع لهم أن يسلموا اخوتهم إلى إسرائيل غداً، ولا يمكن توقع وضع إسرائيل ثقتها فيهم، وحتى لو حدثت معجزة واجتمعا على طاولة المفاوضات فإن الفجوة بين السيدين شارون وعرفات لا يمكن جسرها.
إن هذا هو السبب في أن هذا هو الوقت المناسب للمخاطرة بتحقيق تسوية نهائية، ومثل هذه التسوية لم يعد في الإمكان أن تكون، كما كان الحال في أوسلو، بترك الجانبين يتوصلان إلى الاتفاقيات مع بعضهما بعضا ويتعلمان في الوقت نفسه كيف يثقان ببعضهما، فالتدرج الذي حدث على أساس أوسلو بنى الكراهية وليس الثقة، لذا يجب أن تكون هناك أطراف خارجية للقيام بذلك.
فمثلاً، بما أن عرفات لايستطيع أو لن يسيطر على الإرهاب، فلماذا لا ترسل قوات دولية مسلحة وليس مجرد «مراقبين» ليقوموا بمهمة حماية الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرتهم؟ وبما أن الطرفين لا يمكنهما التفاوض حول حدود آمنة بموجب القرار رقم 242 لعام 1967 فلماذا لا تقوم الأطراف الدولية لجنة الأربعة المكونة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وروسيا بوضع خرائط لهذه الحدود، وتحدد موعدا للاستقلال الفلسطيني؟
لا شيء من هذا سيجدي فتيلاً ما لم تمارس القوى الكبرى، وخصوصا القوة العظمى، ضغطا على الجانبين للالتزام. ولكن سيكون من المشين الإجابة على هذه التساؤلات إن العالم بأجمعه، بينما يدعو الجانبين بصدق إلى التعقل، كان ببساطة يفتقد الإرادة لإنقاذهما من نفسيهما.
عن «الإيكونوميست» البريطانية |