كتبت يوم أمس الأول مقالي الأول بعد توقف دام شهراً كاملاً ومن الصدف أن ينشر في الصفحة السادسة بدلاً من موقعه المعتاد في الصفحة الخامسة. وبعد الانتهاء من مراجعتي له جالت عيني على بقية الصفحة فقرأت خبراً عجيباً لا يمكن أن تجري أحداثه إلا في مجتمعنا. أعتقد أنه واحد من أهم وأخطر الأخبار المحلية أسميه خبراً لأنه مرتبط بحادثة ولكنه في نظري أكثر من مجرد خبر إنه ثقافة ومعرفة وشيء آخر في غاية الخطورة. يقول الخبر:
(مواطن يرفض تدخل الدفاع المدني لإنقاذ أسرته المحاصرة بمياه الأمطار بالطائف) لم يبين الخبر لماذا رفض هذا المواطن السماح للدفاع المدني لإنقاذ أسرته ولكن عندما تقرأ الخبر وتتمعن فيه سترى أن القضية تعود إلى الحساسية المتعلقة بالمرأة فما فهمته أن الرجل لا يريد من رجال الدفاع المدني أن يروا محارمه، أرجو أن أكون مخطئاً في ظنوني وتصوراتي، ولكن القضية تستحق النظر. موقف هذا الرجل كما جاء في الخبر يطرح سؤالاً هاماً: هل الزوجة والأطفال هم جزء من ممتلكات الرجل (الأب) ليقرر مصيرهم. الذي نعرفه أن الأب أو ولي الأمر هو مدير العائلة قوّام عليها يصون مصالحها ويؤمّن لها الغذاء والكساء لكن بعض الضغوط الثقافية الجاهلية أسست عند الرجال إحساس الملكية لزوجته وأهله ليقرر نيابة عنهم حقهم في الحياة والموت كما فعل صاحبنا في الطائف.
قد يتصور البعض أن هذا الرجل ولج في دوامة التعصب كحال البعض من الناس في الآونة الاخيرة لولا أن للقضية وجها آخر أهم وأخطر.
لنكمل بعض أجزاء الخبر حتى نقف على البعد الاجتماعي لهذا النوع من التعصب الجنوني.
(... وقد رفضت فرق الدفاع المدني التي تواجدت في الموقع بمعداتها وآلياتها وزورق للإنقاذ الانسحاب من الموقع ما لم يكتب هذا المواطن إقراراً على نفسه بتحمل المسؤولية بصورة كاملة في حالة تعرض أفراد أسرته لأي أخطار لا سمح الله أو السماح لهم بإنقاذ أفراد أسرته بواسطة الزورق...).
المشكلة ليست في هذا الرجل فالعالم مليء بأصحاب التفكير المعوج المشكلة في الدفاع المدني وحدود مسؤولياته.
هل يعتقد الإخوة في الدفاع المدني بالطائف أن مسؤوليتهم تنتهي بكتابة تعهد يعني أنه لو ماتت الأسرة يكون التعهد وصل أمانة ببراءة ذمة الدفاع المدني من المسؤولية؟ أنا لا أعرف ما هو النظام الذي يسير عليه الدفاع المدني في بلادنا ولكني أعرف أن الإنسان يجب إنقاذه تحت أي ذريعة أو ظرف. الذي أعرفه أنه يجب على رجال الدفاع المدني أن يزيلوا أي عقبة تمنعهم من أداء واجبهم حتى ولو بالقوة المسلحة، أما أن يأخذوا على الرجل تعهداً ثم يسحبوا معداتهم ويرحلوا تاركين مصير الأسرة لهذا الرجل هذا سؤال اجتماعي وليس سؤالاً إدارياً إن أبسط تحليل لهذه الحادثة الغريبة سوف يقودنا إلى القول إن رجال الدفاع المدني يؤمنون بما يؤمن به الرجل أي يؤمنون أن الزوجة والأبناء يستطيع الرجل أن يتحكم في مصيرهم حتى الموت.
فاكس 4702164 |