من يتأمل ما يحدث في الأرض المحتلة يخيل إليه أنه يشاهد فيلماً من الأفلام الخيالية المليئة بالعنف ، والتي تقطر الدماء فيها شلالاً إثر شلال .. أفلام مثيرة يموت فيها الإنسان بقسوة، في الوقت الذي يتفرج فيه العالم على المجزرة، وكل ساسة العالم تحولوا في اللحظة التي يعمل فيها شارون معاوله في الجسد الفلسطيني إلى منظرين، حتى القادة العرب، بدا أن بعضهم على غير عجلة من أمره، وتبلغ المأساة قمتها، فهناك من ينادي بالزحف فوراً لتحرير القدس، وهناك من يطالب بفتح الحدود، وهناك من يطالب بقطع النفط، وكل هذه اللوازم الكلامية اكتشفنا بعد يومين بأنها لا تختلف هن هلوسات العظمة، عظمة الصغار وليس عظمة الكبار، فمن نادى بقطع النفط أشعر العالم بأنه غير جاهز لقطعه ومن ليس الكاكي استعداداً للزحف من أجل تحرير القدس، خرج في اليوم التالي بعد أن أدى دوره فتحولت البدلة العسكرية إلى بدلة مدنية من تلك التي تصنعها محلات كريستيان ديور!
الدول الأوروبية أخجلتنا بمواقفها، التي تعدى بعضها القول إلى الفعل، من وقف بيع الأسلحة لليهود إلى مقاطعة الممثليات اليهودية، حتى الفرد الأوروبي كان هناك معتصماً مع الختيار في قلعته، التي تحول كل حجر فيها إلى مقاوم بعد أن تحول القابع خلفها بابتسامته الأبوية الصامدة إلى كتلة من الصمود الشامخ، كان المواطن الأوروبي هناك متحدياً الرشاشات والمجنزرات، يقف بجانب ياسر عرفات وكأنه بوقفته تلك يكفّر عن خطايا العالم الذي ينصر الجلاد على المجلودين.. لكننا خلال هذه الأزمة لم نسمع صوتاً لجمعية أطباء بلا حدود أو جمعيات حقوق الإنسان، لم نسمع عن طائرات الشحن العملاقة التي تخترق الأجواء محملة بالأدوية والخيام والأطباء، كل هؤلاء شلتهم المجنزرة، شلتهم الأجساد التي تتطاير، وتمديدات المياه التي تتكسر عمداً، وأعمدة الهاتف والكهرباء، التي تمر عليها المجنزرات.
الضوء بدأ ينبثق بقوة من هنا، من هذه الأرض، تحولت المملكة خلال ثلاثة أيام إلى أروع تظاهرة لنصرة الدين والأرض والإنسان، كل من لديه شيء قدمه لتحرير القدس ولمواساة إخوانهم في فلسطين .. إن فلسطين بحاجة إلى تقديم المزيد من الدعم وبكافة الصور والطرق، فالمال وحده لا يكفي .. لكنه بالتأكيد قادر على شراء الدواء وترميم المنازل وتأمين القوت والأغطية، لأسر بسيطة تشردت، ولأبناء ذهب آباؤهم تحت الأنقاض .. إننا نتمنى أن يستمر دورنا كعرب ومسلمين، في فضح هذه النازية الجديدة، بإقامة المعارض التي تعرض صوراً من المجزرة في كل مكان في العالم وبتوثيق صور المجارز وبتمويل قنوات إعلامية مرئية ومسموعة تبث بمختلف اللغات، لشرح وبسط القضية الفلسطينية، فلم يتفوق علينا اليهود بالرجال ولكنهم تفوقوا علينا بالمال والإعلام، هذا الإعلام الذي نفتقر إليه وإن وجدناه، وجدنا إعلاماً لا يرقى إلى طموحاتنا.
|