Tuesday 16th April,200210792العددالثلاثاء 3 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

بعد كل الذي حدث: بعد كل الذي حدث:
هل يريدوننا أن نصدق أنهم دعاة السلام وقادة الحرب ضد الإرهاب؟!!
د. محمد أبو بكر حميد

العملية الفدائية الاستشهادية التي نفذتها فتاة فلسطينية يوم الجمعة الماضي فأودت بحياة ستة صهاينة وأكثر من ثمانين جريحاً كانت الرد الحقيقي على زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الذي تحولت زيارته إلى مناسبة لتجديد العهد لإسرائيل بالولاء الأمريكي وتقديم العزاء في الضحايا!!
جاءت زيارة باول عشية فراغ شارون من مذبحة (مخيم جنين) التي قتل فيها بدم بارد وعلى مرأى ومسمع من دعاة الحرية وحقوق الإنسان العشرات الذين يتوقع ان يزيد عددهم عن 300 مواطن فلسطيني قتلوا مجردين من السلاح، وهدمت عليهم منازلهم دون تمييز بين رجل كبير أو طفل صغير أو امرأة. أليست هذه واحدة من أكبر الأعمال الإرهابية في القرن العشرين تنفذها اسرائيل بضوء أخضر ومباركة ودعم وتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت عن جدارة واستحقاق زعيمة الإرهاب الدولي!
كتب المحلل السياسي الإنجليزي روبرت فيسك في «الانديبندت» البريطانية يتساءل: «لماذا تأخر وصول باول أسبوعاً كاملاً عن الوصول إلى اسرائيل؟ ألم يكن ذلك لإعطاء اسرائيل الفرصة لإتمام مذبحة مخيم جنين؟».
وقال «لقد سأل البيت الأبيض أرييل شارون أكثر من مرة عن المدة التي يحتاجها للبقاء في أراضي السلطة الفلسطينية، وبناء عليه تم تأجيل زيارة باول!!».
أليس هذا إرهاباً مع سبق الإصرار؟ أليس الإرهابي هو الرئيس بوش وليس شارون لأن الإرهابي هو الذي يدعم اداة الإرهاب بالمال والسلاح ويعترض على عقاب يمس المجرم، ويكمم الأفواه ويربط الأيدي التي تحاول إنصاف المظلوم من الظالم أو حتى ادانته!
الإرهابي الكبير لكي يبعد التهمة عن نفسه، لابد ان يلقي تهمة الإرهاب على كل من يعترض على إرهابه أو يقاومه.. وقد أحصى روبرت فيسك عدد المرات التي ذكر فيها بوش كلمة الإرهاب في خطابه الأخير، فكانت 50 مرة مشيراً للفلسطينيين خلال عشر دقائق فقط!! بينما أشار على استحياء مدة واحدة فقط للمستوطنات الإسرائيلية!
وتكلم بوش باسم الشعب الفلسطيني واعتبر ان ياسر عرفات الذي يؤيد الإرهاب خيب آمال شعبه فى السلام (يقصد الاستسلام)! وأفتى بوش ان العمليات الاستشهادية لا تجوز وابطل فتاوى علماء المسلمين، وذكر بحزن الفتاة الإسرائيلية ذات السبعة عشر ربيعاً التي قتلت في عملية نفذتها فتاة فلسطينية في الثامنة عشرة من عمرها، وقصر حزنه على الفتاة الإسرائيلية فقط!
وخاطب بوش الضمير العالمي والإنساني «ان من لا يستجيب لأحزان ومعاناة الأسر الإسرائيلية التي يموت ابناؤها جراء العمليات الإرهابية (يقصد الاستشهادية) الفلسطينية يكون قلبه من الحجر»!
منطلق إرهابي عجيب، والأعجب منه انه قال مخاطباً القيادات في الشرق الأوسط بعدم التعاطف مع الإرهابيين.. وردد عبارته التهديدية الثنائية التي تذكرنا بدكتاتورية الشيوعية والنازية طبعاً مخطاباً القيادات العربية «اما أنكم مع العالم المتحفز أو مع الإرهابيين».
والى ساعة كتابة هذا المقال لم يصدر من بوش أو أي مسؤول أمريكي كلمة عزاء أو أسى أو عطف على ما ينال الشعب الفلسطيني من قتل وتشريد بأسلحة أمريكية وحماية أمريكية وتأييد علني برغم انكشاف أمر «مذبحة جنين»!! أليس هذا إرهابا؟
أليس الإرهاب ان ترتكب الجريمة بحق الأبرياء وتتهمهم بالظلم وتطلب من العالم كله ان يقف معك بالقوة لأنه إن لم يقف معك فهو ضدك، ولا تقبل حتى الحياد؟ ماذا أبقى بوش لهتلر وستالين من ديكتاتورية؟!
هذا هو رئيس زعيمة العالم الحر؟ وراعية السلام والديمقراطية! من يستطيع ان يقف له اليوم ويقول له أنت إرهابي لأنك ترعى وتدعم أكبر دولة إرهابية في التاريخ الحديث، وتصادر حرية شعب في الدفاع عن نفسه، وتغتال حقوق الإنسان في جوانتنامو، وتتنكر للأصدقاء العرب الذين وقفوا معك في محنتك في 11 سبتمبر ولم يشمتوا بك بل أيدوك في حملتك ضد الارهاب، فكان جزاؤهم منك في أعز ما لديهم فلسطين جزاء سنمار!!
فهل تريدنا بعد ذلك ان نصدق انكم رعاة السلام!. تاريخ الإنسانية يقول انكم رعاة البقر في بلادكم ورعاة الظلم والإرهاب خارج وطنكم خاصة في أوطان المسلمين وفي مقدمتها فلسطين، ولم نشهد لكم راية ترفعونها عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية الا ورأيناكم تخالفونها عند التعامل معنا عرباً ومسلمين!
فمن العار بعد اليوم ان نصدق دعاوى أمريكا في الحرب على الإرهاب بعد ان عرفنا الإرهاب الحقيقي، ومن العار ان نصدق أكذوبة السلام ورعاية أمريكا للسلام.. وكل عربي أو مسلم اليوم يتمنى على القيادة الفلسطينية ان لا تعود للسير وراء السراب، فتعود لمفاوضات ما يسمى بالسلام، فهذا لن يكون الا ضرباً من التفاوض على الاستسلام، وهو ما ارادت أمريكا فرضه عبر مبعوثها «زيني».
لقد عرف الشعب الفلسطيني الطريق الوحيد لتحرير وطنه، وبدأ بالفعل حرب التحرير ومن ورائه الأمة العربية والإسلامية كلها تمده بكل ما تقدر عليه وتستطيع. عرف الشعب الفلسطيني المؤمن حقيقة «اطلبوا الموت توهب لكم الحياة» والحياة هي الاستقلال وعودة فلسطين حرة أبية، لقد تحررت الجزائر من أشرس مستعمر في العصر الحديث وقدمت مليون شهيد، وفلسطين اليوم اذا استمرت في تقديم فلذات أكبادها من الاستشهاديين فإنها ستحرر كاملة بإذن الله قبل أن تصل إلى المليون شهيد، ودونما حاجة إلى الجيوش العربية التي لا تستطيع فعليا محاربة أمريكا.
فقط عوداً إلى حكمة الملك عبدالعزيز رحمة الله عليه الذي نصح قادة العرب قبل التورط والهزيمة في حرب فلسطين سنة 1948م:
«لا تدخلوا بجيوشكم.. ادعموا الشعب الفلسطيني بالمال والسلاح واتركوه يقود جهاد الكر والفر فسينتصر، أما اذا دخلتم بجيوشكم وانهزمتم فستضيع فلسطين».
فخالفوه، ولم يحب ان يشذ ويخالفهم فدخل معهم الحرب، ولسان حاله يقول:
وما أنا الا من (غزية) إن غزت
غزوت وإن ترشد (غزية) أرشد!
فانهزموا جميعاً وضاعت فلسطين وكان ما كان.. فهل للعرب والقيادة الفلسطينية ان يتركوا الشعب الفلسطيني يقود حرب تحرير وطنه بطريقته ويجابه بالموت «أحرص الناس على حياة»؟!
اتركوهم يجاهدون ومعهم ربهم من فوق سبع سماوات يخاطبهم مؤيداً {قّاتٌلٍوهٍمً يٍعّذٌَبًهٍمٍ پلَّهٍ بٌأّيًدٌيكٍمً وّيٍخًزٌهٌمً وّيّنصٍرًكٍمً عّلّيًهٌمً وّيّشًفٌ صٍدٍورّ قّوًمُ مٍَؤًمٌنٌينّ } .

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved