إن مجرد كلمة «التغير» لها في ثقافتنا العديد من المضامين السلبية، حتى أنك لتجد ذلك شائعا في عالم الحب والمحبين في الثقافة الشعبية خصوصا الشعر الشعبي منها، «فتغير الأحباب» دائما ما يكون تغيراً نحو الأسوأ، ومثله تغير الأصدقاء، بل ان عبارة من قبيل «تغيرت الدنيا» هي ذاتها حبلى بالايحاءات غير الطبيعية، عليه فإن يكن التغير الاجتماعي حسب اعتقادنا سيئا في حد ذاته، فهو أسوأ من السيئ حينما يكون محوره «المرأة». فمن سوء حظ «المجالات الاجتماعية» ان تكون ذات طبيعة «مفتوحة الأجواء»، معزولة عن مقومات الحياة الأخرى، مما يجعلها عرضة للتنظير وهدفا للتحوير من كل من هب ودب «من كل حدب وصوب!»، ولاسيما في ضوء غياب السياسة الاجتماعية اللازمة حضاريا وتنمويا.
هذا وأذكر أنني قد ذكرت في مقالة سابقة لشدو ما مفاده أنه حين يحل التغير الاجتماعي بمجتمع ما، فإنه يعدل أشياء ويخل بأخرى، كما أنه يحمل بمعيته عناصر ويترك خلفه مثلها، والأخيرة هذه أقصد المتروكة هي ما يسمى علميا ب «الرواسب أو المخلفات أو البقايا»، وعلميا فكمية ونوعية الفائدة المقطوفة من التغير الاجتماعي تعتمد اعتمادا بالغا على كمية ونوعية هذه الرواسب. ففي حال أضحى لهذه الرواسب من الكمية والنوعية تأثير بالغ، فإن من نتائج ذلك فقدان الهوية، وسيادة الازدواج، واتساع الفجوة بين الواقع والمأمول، بل حلول المأمول مكان الواقع بطريقة اسقاطية، دأبها ضخ الواقع السيئ بحلول أسوأ فأسوأ.. وأرجو ملاحظة أنني أتكلم عن الرواسب هنا في سياق مناقشتي للعلاقة بين ماضينا «القريب!!» وحاضرنا القائم، وليس هناك من شك في أننا أول من يقر ويعترف بأن ماضينا القريب قد رزئ بثالوث الجهل والفقر والمرض، غير أن الله سبحانه وتعالى قد أكرمنا ولطف بنا حين قيض لنا من أنقذنا من براثن هذا الثالوث القاتل، وذلكم هو مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز جزاه الله عنا كل خير وأغدق عليه شآبيب رحمته ورضوانه.
في الختام اليكم من التراث ما يثبت أن سنة الحياة هي التغير وقدر القديم الصراع مع الجديد، وديدن السابق التحسر على سوء أخلاق اللاحق، فها هو البديع الهمذاني في رسالة الى أستاذه أبي الحسين بن فارس يؤكد «نصا» أن الحياة هي:«.. الحمأ المسنون، وإن ظنت الظنون، والناس لآدم، وإن كان العهد قد تقادم، فالأستاذ يقول: فسد الزمان، ولا يقول متى كان صالحا أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها، وسمعنا أولها، أم في الدولة المروانية وفي أخبارها لا تكسع السيول بأغيارها، أم في السنين الحربية والسيف يغمد في الطلا، والرمح يركز في الكلا، والحرتان وكربلا، أم البيعة الهاشمية والعشرة برأس من بني فراس، أم الأيام الأموية والنفير الى الحجاز والبعوث على الاعجاز، أم الامارة العدوية وصاحبها يقول: وهل بعد الطلوع إلا النزول، أم في الخلافة التيمية وهو يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام.. أم في الجاهلية ولبيد يقول:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب |
أم قبل ذلك وأخو عاد يقول:
بلاد بها كنا ونحن من أهلها إذِ الناس ناسُ والزمان زمانُ |
أم قبل ذلك ويروى عن آدم عليه السلام:
تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مُغبّر قبيح..»؟ |
|