Tuesday 16th April,200210792العددالثلاثاء 3 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الموقف من الإنسان والأشياء في العمليات الأمنية..! الموقف من الإنسان والأشياء في العمليات الأمنية..!
د. حسن بن فهد الهويمل

المجتمع المدني المتحضر يتطلب رجل أمن تتكافأ إمكانياته المعرفية والأخلاقية والإجرائية مع إمكانيات الشرائح المجتمعية التي يتعامل معها، ومع المثمنات المادية المتنوعة والمتعددة والمعقدة في كثير من الأحيان، والأكثر خطورة إزاء العوارض حتى يتعامل معها في هدم أو حريق، ومتى سوِّيت الفجوة بين المرتكزات الثلاث:
* الإنسان.
* الأشياء.
* الموقف.
نجحت العملية الأمنية، وتفادى المسؤول أيَّ سلبية محتملة الوقوع، ومتى اتسعت الفجوة بين رجل الأمن وشرائح المجتمع ومثمناته، تفاقمت عملية الاتصال، وأدت الممارسات الى تصعيد لمشاكل، تتنامى مع الزمن، لتضع الجهاز الأمني في حرج، وبدل أن يقضي على جيوب المشاكل، يعمق بفعله بؤر التوتر والحساسيات، ويشكك بالثقة، ومتى فقدت الثقة تعطلت كل الفعاليات، ولهذا لابد من خلق أجواء ملائمة، تمكن رجل الأمن من زرع الثقة في الأنفس: ثقة في الإمكانيات، وثقة في الأخلاقيات، وثقة في سلامة الإجراء، وثقة في الكفاءة الذاتية، وروافد الثقة الثلاثية:
* الإمكانيات.
* الأخلاقيات
* والإجراءات.
ليس من السهل التوفر عليها بالقدر الكافي، ذلك أن إعداد الكوادر البشرية المؤهلة للاضطلاع بالمهمة الأمنية لا يمكن أن تتأتى بسهولة، إذ هناك عوائق غير مقدور على تذليلها، قد تتعلق بالإمكانيات المادية، او بعدم التكافؤ بين رقعة الخدمات وتعدد مستوياتها من جهة ورجل الأمن الميداني المباشر، وقد تتعلق بالإمكانيات الآلية كمّاً وكيفاً، إذ إن مباشرة الحدث لا يكون بالضرورة من رجل أمن مؤهل بالمعرفة والخبرة، وعمليات التوظيف ليست انتقائية، وليس هناك فترات تدريب كافية بحيث يمكن تلافي أوجه النص.
ولهذا فإن تصور الموقف ميسور، ولكن التوفر على الإمكانيات التي تجسده في الواقع على أحسن صورة قد تكون عسيرة المنال، وعصية التحقيق، وحين لا تتأتى الإمكانيات، فإن واجب المسؤول المضي في المحاولة وعدم اليأس، فالذي لايدرك كله لا يترك كله، وبعض الشيء أفضل من لاشيء، وواقع الفعل الأمني في بلادنا مشرف، إذا قوم من خلال سياقاته العربية، وكفى المرء نبلا ان تعد معايبه.
والمؤسسة الأمنية حين تمنى بأي إخفاق يجب ألا يحصر في سبب واحد فقط، ولا ان يحال على سوء النية او يحال على الموقف غير الحضاري، او على الإجراء غير السليم، او على الامكانات غير المتكافئة، فقد لايكون منها البتة، ذلك ان الاطراف الثانوية غير المتمثلة في مسرح الحدث تؤثر على الموقف، دون ان يتصورها الرأي العام، فهو دائما يحيل الى الاقرب للموقف، وهو رجل الأمن، وحين يكون رجل الأمن امام حدث ومحدث وظرف لهما فإنه بحاجة الى إعطاء كل طرف ما يتطلبه، وهو لكي يتمكن من السيطرة على الحدث والعودة بالاوضاع الى وضعها الطبيعي، لابد ان يفهم الأجواء، ويرسم الخطط، ومع هذا يجب ان يضع في تصوره النسبة المحتملة للإخفاق، إذ هو امام مقترف ربما يكون محترفا، يضع في اعتباره كل الاحتمالات.
وإذ لا يتمكن المسؤول من التوفر على التوازن بين رجل الأمن والمستفيد منه، فإن الواجب مواجهة القدر بشجاعة، بحيث يعرف أطرافُ الاشكالية الممكن والمستحيل، بالتالي يقوم التعاذر بدل التلاوم، والرضا بالميسور بدل السخط على الواقع، والمكاشفة والشفافية تتطلبان شجاعة وثقة، شجاعة في مواجهة العارض، وثقة بإمكان التخطي الى الافضل، فالتقصير خطأ، والخطأ ابتداء ناتج عمل، ولكن الإصرار عليه، او التكتم عليه، او المغالطة والمكابرة في مواجهته، يحول الخطأ الى خطيئة، والتسامي فوق المساءلة والنقد يشرعن للنقص والخطأ، ومن بوادر الثقة مواجهة الاخطاء والنقد بروح رياضية، وعلينا استشعار مستويات الثقة: ثقة بالذات، وثقة بالغير، وثقة متبادلة، وقيام الثقة بكل مستوياتها يحول دون الصدام والاتهام، ويحصر الخلاف في اطار التساؤل والتشاور والتناصح، وكم هو الفرق بين المراجعة الودية والصدام العنيف وتبادل الاتهامات.
وحين لا تكون الثقة بين طرفي العملية الامنية تتحول الاشكالية من معالجة الاحداث الى التناجي بالإثم والعدوان، وحديثنا عن «الموقف» يستدعي التحفظ على المثاليات المتعالية عن الواقع، فالذين يقرؤون «الموقف» قد لا يقرؤونه بواقعيته، وانما تعدو اعينهم اليه بوصفه مشروع فعل، وليس فعلاً، وهناك فرق كبير بين مشروع الفعل والفعل، فالمشروع دائما يستمد مشروعيته من اقصى حدود المثالية، فيما يأتي الفعل متدنياً ومجسداً لمجموع الامكانيات المتاحة، والاشتغال في عيوب الآخرين دون النظر في عيوب الذات مخل بالأهلية، وذلك بعض معوقات التفاعل الايجابي في المرجعيات.
ورجل الأمن بوصفه المطبق الفعلي للعملية الامنية قد تنقصه اشياء كثيرة: ذاتية، وغيرية، وشبكة الاشكالية معقدة، إذ ربما يكون كفاءة متميزة في خلقه وذكائه وأهليته ومناسبته للمكان، ولكن الطرف المستفيد دون ذلك، وقد يكون طرفا العملية في مستوى الكفاءة، ولكن الإمكانيات الآلية دون ذلك، ولأن هناك كوادر بشرية وكيانات إدارية تأتي في أعقاب ممارسات رجل الأمن أو معه ك«القضاء» و«الصحة» فإن بوادر السلبيات التي تنتجها الاطراف الثانوية تضاف الى الطرف الرئيس بوصفه ماثلاً في الصورة، ومثل هذه الرؤية المقعرة تحول دون الانطلاق الآمن الواثق. والمواقف الأمنية بوصفها ممارسة سلطوية شرَّع لها النظام واقتضتها متطلبات الاجتماع فإن النفس البشرية مجبولة على عدم استساغة الخضوع المشروع للسلطة، مهما بلغت شرعيتها، وهذه الحالة النفسية قد لا يضع لها الموقف لحظة الإجراء أي اعتبار، ومن ثم تشكّل عقبة في طريق الأداء الوظيفي، وعلم الاجتماع الجنائي، وعلم النفس الجنائي، والقانون الجنائي تفيض بالضوابط والأساليب الإجرائية المناسبة والمجسدة للإشكاليات.
والأحداث، والحوادث، والجرائم في سباق مستعر مع المواجهة، وكلما طرح مسؤول الأمن اسلوباً ذكياً لتعقب الجرائم والمجرمين، اتخذت الجريمة اسلوباً أدق للنفاذ من مسام الشبكة، وهكذا، وبالتالي فإن التوفر على الإمكانيات يتطلب ترقي المعادل، ورجل الأمن قد لايتمكن من استعمال كل إمكانياته تمشياً مع إمكانيات المستفيد، ومأزق الموقف في فورية التقدير والتوقيت، وتسارع البدائل الإجرائية، وتغيير الخطط في مسرح الجريمة، وبالتالي فإن هرمية المسؤولية لا مجال لها، وممارسة الصلاحيات المؤقتة امتحان لقدرة رجل الامن الميداني الذي قد لا يتوفر على امكانية التواصل مع غرفة العمليات، بحيث تتحمل معه قسطاً من الإخفاقات، وهو حين ينهي العملية بنجاح يشاركه غيره، وحين لا يحالفه الحظ، يتحمل المسؤولية وحده، وهذا قدره المحتوم والمجحف في آن.
وحين نتحدث عن «الموقف» تتجسد امامنا صورته الحضارية ومرجعيته الاسلامية، بحيث لانقطع بتوفر المستوى المطلوب، لا من حيث الصورة، ولا من حيث مقتضى المرجعية، وليس مستساغاً إحالة هنات الموقف الى الجهل او سوء النية، فالخطأ او التقصير حين يعالجان بهذا المفهوم تتعمق هوة الخلاف، والبعض تتشكل رؤيتهم من خلال البحث في السلبيات واستصحاب التجهيل وسوء النية، وتلك مواقف تحمل الاطراف على التحول من الحوار الايجابي الى الصدام المخل بمتطلبات العلاقة الايجابية، وباستدعاء الموقف تتجه الانظار صوب من يتحقق على يده نجاحه أو إخفاقه، وهو رجل الأمن الميداني، وليس القابع وراء مكتبه المخملي، وهنا تتجسد صورته في المخيلة كفارس أحلام، ليس في شكله ووسامته، ولكن بممارسته الحضارية، فما هي الصفات التي يتطلع اليها المواطن المرتبط أمنه واستقراره وسلامته بتصرفات رجل الأمن؟ ذلك أنه حين يضطلع بأخطر مسؤولية، وأهم مسؤولية، تكون صفاته وأخلاقياته استثنائية، قد لا تتوفر بالقدر المطلوب، وهو بتحمله تلك المسؤولية، ينتقل بمواصفاته العامة التي يشترك فيها مع سائر الناس الى متطلبات المهمة الامنية المتمثلة: بالعزم، والحزم، والشجاعة، والتضحية، والعدل، والحيادية، والفراسة، والصدق، والأمانة، والنزاهة، والسيطرة على الأهواء الشخصية، وضبط الأعصاب، والتكيف مع المستجدات والعوارض، ذلك أن مهمته جماع الفضائل، ودعك من القيم السلوكية خارج إطار المسؤولية، ودعك من التوفر على المعرفة الشرعية التي تحدد اسلوب المواجهة ومرحليته، فالموقف لا يكون مشروعاً بالقوة، وإنما القوة للقانون الملزم، والقوة المادية كالوازع، وكما في الأثر: إن الله لينزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن. وحين لا يكون رجل الأمن رجلاً عادياً فإن سلوكياته تتضخم إلى حد الاستحالة، وتكون صفحة السمعة عنده فاقعة اللون، تجسد أي خدش، وتضخم أي مخالفة، وتصورنا للمواصفات النفسية والسلوكية والمعرفية يحملنا على تفادي الثنائيات، فالشجاعة يجب ألا تصل إلى حد التهور، واللين يجب ألا يصل إلى حد الضعف، والحيادية يجب ألا تصل إلى حد السلبية، ولابد والحالة تلك أن تدخل الصفات الخلقية في مفهوم التوازن، والموقف يزداد حساسية في ظل المستجدات العالمية والإسلامية والعربية، بوصف الدولة فاعلاً رئيساً ومؤثراً ومسؤولاً، والإعلام المعادي بمعرفته لحجم المملكة يتلقط السقطات ليحولها الى عقبات معوقة في طريق الأداء السليم.
وإذا كانت مهمات رجل الأمن ذات مواقف متعددة وفورية ومباغتة ومتغيرة وفق أجواء الأحداث وغير مقدرة فإن الإمكانيات الشخصية يجب أن تكون بمستوى مواصفات المواقف ومراوغتها، ولكل موقف متطلباته، وقد تكون من أولويات مهمات رجل الأمن: الوقاية لمنع الجريمة من الوقوع، وتعقب اطرافها بعد الوقوع، وتنفيذ حكم السلطة القضائية بعد مواجهة المجرمين بمقترفاتهم، وصدق الإثبات والإنصاف في الإدانة، وهو بهذا يكون مع الجنح منذ بدايتها حتى نهايتها، وهو معها في كل محطاتها، وتتواصل المعية لتأخذ بآثارها وانعكاساتها على ذات الجانحين، وعلى المقربين منهم، وعلى المجتمع، ومن ثم تكون معلوماته المصدر الرئيس للقضاة وللإصلاحيين الذين يرسمون المناهج ويقترحون أساليب العلاج.
ولأن الجريمة تختلف باختلاف الدوافع، والنتائج، وحجم الضرر، وتجاوزه وشموليته فإن المواقف يجب ان تكون مرنة في تحولاتها الفورية. فجريمة المخدرات ترتبط بالمهرب والمروج والمستعمل، وهناك مستويات متفاوتة للمهربين والمروجين والمستعملين، لا من حيث السبب، او التنظيم، او المقاومة المسلحة، وإنما هي من هذه وغيرها.
وجريمة المخدرات تختلف كثيرا عن جنح الأحداث التي تسهم في صناعتها الاسرة والمدرسة والوضع الاقتصادي والفراغ والإعلام، ومستويات السرقة بين السطو والاختلاس، وبين الاحداث والعصابات، وحتى الجريمة تختلف من حيث التنظيم والفردية، كل هذه الامور تشكل امتحاناً عسيراً وفورياً لرجل الأمن، والمواقف تتطلب اتخاذ القرار الفوري وغير المؤجل، واتخاذ القرار يؤثر على خطوات الحل، فقد يكون الإبطاء في اتخاذه سبيلاً لضياع الخيوط، وقد يؤدي التردد ولو لدقائق الى فوات الفرص النادرة، وملفات الحوادث حين تقرأ، تبدو الثغرات المفوتة لأهم الفرص وأندرها، ولهذا فإن الموقف حساس وهام، وليس من الممكن تبرير أي تصرف يسهم في انفلات الاطراف او تعقيد الحل، وكم هو الفرق بين منع الجريمة، ومكافحتها، وملاحقة المجرمين، والكشف عن غموضها، فالمجرم المحترف يختلف كثيراً عن المجرم المبتدئ، ومذكرات رجال الامن تنطوي على مفاجآت غريبة، وقد يفقد رجل الامن حياته بسبب تصرف فوري، لم يحسب له الحساب المناسب، وكم نسمع بين الحين والآخر عن شهداء الواجب الذين فقدوا حياتهم، وقد تضيع بضياعها معالم الجريمة. وبقدر المفاجآت الموجعة هناك مفاجآت سعيدة، فقد تكتشف جرائم غامضة بالصدفة، وبدون اي تخطيط، والحملات التي تنفذ بين الحين والآخر تكون لها محصلات متعددة، ليست واردة في حسابات الحملة.
ولأن الوقاية من الجريمة من أولويات مهمة الأمن فإن من الأفضل ألاّ تتم وفق منهج ثابت تتوارثه الاجيال، وواجب المسؤول ان يكون قادراً على ملاحقة المستجدات، فهناك وسائل وقائية تقليدية، فيها الثابت والمتحول، كالعقوبات، والرقابة، والتوعية، ووسائل المعالجة، والكشف، وبعض هذه تدابير وقائية، ولكن لابد من التخطيط والبرمجة، والفهم الدقيق «للاستراتيجية»، «والتكتيك»، وفصل اجهزة المواجهة عن اجهزة الوقاية خطوة نحو التطوير، ولتنمية قدراتنا الوقائية لابد من اتاحة الفرصة للباحثين العلميين للاطلاع على كافة الاحوال والمواقف، لكي يفاعلوا بين معرفتهم وخبرة الآخرين، فالقطاعات المسؤولة من اولويات مهماتها الارتفاع بكفاءة رجل الأمن وقدراته، وذلك بعقد الدورات وبرامج التدريب المستمر، وربط ذلك بالترقية والعلاوة والمكافآت التشجيعية، سواء كانت مادية او معنوية، كالشهادات والأوسمة.
ولن تتطور فعاليات الوقاية والمواجهة إلا بتنمية الطاقات البشرية، وتوفير الإمكانات المادية، والتحول بالتوعية من الوعظية الى العلمية المقننة، وتمكين المستفيد من الوقوف على آخر ما توصل اليه علم الجريمة من نتائج. والعمل على اصلاح المنحرفين والمجرمين وإعادتهم الى المجتمع قد لا يكون مسؤولية رئيسة لرجل الأمن، ولكن من مصلحته ان يسهم في هذا القطاع، موظفاً كل خبراته وتجاربه، إذ ان أسلوب الوقاية يطال ثلاثة محاور:
* رجل الأمن.
* المجرمين.
* المجتمع.
وإذ يكون التشريع الاسلامي في قضايا الجريمة ذا شقين: الوقاية والعقاب، فإن على المسؤول تنمية الجانب الوقائي، وتحديثه، وتطوير الاجهزة في شقيها: الأمني والقضائي، وما يتتبع ذلك من رقابة وتحقيق وادعاء وعلاقات.
ولأن الجرائم ذات صلة وثيقة بسائر الاوضاع الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية والاعلامية فان الاسلوب الوقائي الناجح هو الاسلوب الشمولي الذي ينظر الى الجريمة بوصفها منتج فعاليات متعددة، وليست محصورة بذات المقترف. فالمجتمع قد يصنع المجرم، والوسائل الإعلامية قد تهيء الأرض الخصبة لتنامي الجريمة، فالجريمة لا تنزل من السماء، إنها مُنتج مجتمعي، والسؤال هل تنشأ الجريمة ثم تبحث عن المجرم؟ أم ينشأ المجرم ليبحث عن الجريمة؟ وهذا التساؤل يدخل بنا في سفسطة «البيضة والدجاجة» أيهما الأول، ولكن تصور العلاقة بين المجرم والجريمة والمجتمع تهيئ الاجواء الملائمة للحل.
ومحاولة إصلاح الذات غير مجدية، ما لم يمتد الإصلاح الى الأوضاع الموثرة على الذات، إن عودة المجرم الى المجتمع السليم قد يساعد على سلامته، وإذا عولج المجرم داخل السجن بوصفة مؤسسة إصلاحية، لا زنزانة عقابية، ثم خلي سبيله ليختلط في مجتمع ينتج الجريمة، كان مهيئاً للعودة إليها مرة ثانية.
إن الوقاية أهم خطوات رجل الأمن، والوقاية بحد ذاتها تعد إشكالية معقدة، وإذ يتطلب الموقف فهم الفئات المنحرفة ودوافعها النفسية والأخلاقية والاجتماعية والعاطفية ومستوياتها، كالقتل، والسطو، والاختلاس، والسرقة، والاغتصاب، والاحتراف، والصدفة، فالمعرفة، والفهم تنتقلان الى التحليل واتخاذ الموقف، والتنبؤ بما سيحدث، ومن ثم فإن سبق الحدث أفضل من تعقبه.
وإذا كان الموقف يتجاوز الإنسان الى الأشياء، فإن رجل الأمن بمثلما هو مؤتمن على الأنفس فهو مؤتمن على الأموال، وحفظ الأموال يمتد الى التصرف الحكيم إزاء مواجهة الكوارث كالحرائق والسيول والزلازل، وكم تضاعفت الخسائر بسبب التصرف غير المنظم من رجل الأمن، ولهذا فإن الموقف من الإنسان في العملية الأمنية لا يقل أهمية عن الموقف من الأشياء، والحديث عن الموقف يستدعي الحديث عن الوسائل، فرجل الأمن كالمقاتل، كلما كانت آلياته حديثة ودقيقة ومتطورة، تمكن من السيطرة الفورية، وحين يعتريها أي نقص ينعكس على أدائه، وحين لا تكون في مستوى الحدث فإنها تؤدي الى مضاعفات، يتحمل أعباءها الوطن.
إن الحديث عن الموقف يستدعي ظواهر تسهم بتعقده وتنامي إشكالياته، وهي ظواهر ليست من اختصاص مسؤول الأمن، ولكن حلها يهبط بمعدل الجريمة، ف«البطالة» مثلاً ليست مرتبطة بقطاع الأمن، ولكنها مقلقة له، وكم يود ذلك القطاع أن تكون صورته في المجتمع مشرفة، إن معدلات الجريمة تحال لرجل الأمن، وهي إحالة جائرة، والمسهمون في معدلات الجريمة ليسوا في الصورة بينما يستدعى رجل الأمن عند كل مخالفة، إن الإشكالية في تنامٍ مستمر، ونحن أحوج ما نكون إلى وضع الأمور في مواضعها الطبيعية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved