* واشنطن خدمة الجزيرة الصحفية
عندما قام بفتح الباب الخلفي لمحل رهوناته في بريتشارد في ولاية ألباما الأمريكية، كان هناك أحد الأجهزة الصناعية، فضي اللون وبحجم صندوق الغذاء، عليه ملصقات صفراء مكتوب عليها: «تحذير، مواد نشطة إشعاعيا».
وقال صاحب المحل في بطء «لقد كانت تلك الأجهزة موضوعة في دلو من سعة خمسة جالونات» وقد أكدت مصادر الشرطة أن ذلك الجهاز والذي كان يستخدمه بعض أطقم الإصلاح الفني بغرض اكتشاف الثقوب في لحامات الأنابيب قد سرق من شاحنة تابعة لإحدى شركات خطوط الأنابيب منذ حوالي ستة أشهر أثناء توقفها لتتزود بالوقود. وغير العادي في هذه القصة ليس أن هذا الجهاز قد سرق، ولكن، لأنه تم العثورعليه، وذلك لأن هناك ما يقرب من مليونين من الأجهزة المعقدة النشطة إشعاعيا صغيرة الحجم وغالية الثمن، تستخدم في الولايات المتحدة في كل شيء، من البناء إلى الرعاية الصحية إلى الأبحاث العلمية.
وطبقا لبعض الإحصاءات فإن كل عام يضيع المئات منها أو يسرق أو يتم الاستغناء عنها، ومعظم تلك الأجهزة لم يتم العثور عليها ثانية، وحوالي 30 ألف جهاز تختفي بطريقة مريبة وبلا تفسير.
وقد شعر الخبراء بالقلق إزاء اختفاء مثل هذه الأجهزة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، فإذا ما تم اكتشاف تلك الأجهزة في أحد المحلات مثل محل رهوناته ألباما السالف ذكره، فقد تقع في أيدي الإرهابيين، الذين يستطيعون بسهولة أن يستخدموها كذخيرة لصنع «القنبلة القذرة»، وهي نوع من المتفجرات التقليدية التي يتم دمجها ببعض المواد النشطة إشعاعيا.
ويقول إدوين ليمان، من معهد مراقبة الطاقة النووية في واشنطن: «إذا ما استطعت أن تحصل على بعض من هذه الأجهزة صغيرة الحجم على مدار سنوات ونجحت في وضعها جميعا في صندوق قنبلة، فيمكنها أن تكون بنفس قوة قنبلة إشعاعية من ذات المصدرالإشعاعي الواحد».
ويقول فريدريك شتاينهاسلر أستاذ الفيزياء النووية بجامعة ستانفورد إنه ليست كل العناصر الصغيرة النشطة إشعاعيا بطبيعة الحال يمكن أن تعمل كذخيرة للقنبلةالقذرة، فهذه الأشعة المنبعثة قد تكون ضعيفة للغاية، ولكن يظل خطر تمكن الإرهابيين من صنع أسلحة فتاكة قائما، وذلك بجمعهم العشرات من المصادر الصغيرة المشعة ودمجها مع المتفجرات التقليدية البسيطة.
وتتوقف الأضرار الناجمة عن «القنبلة القذرة» على العديد من العوامل، بما في ذلك قوة الانفجار، وكمية المواد النشطة إشعاعيا، ومدى التلوث الإشعاعي الناجم عن حمل الريح لجزيئاتها السامة في الجو.
ويقول الخبراء إن مثل تلك القنابل يمكنها أن تسبب حالات وفاة فورية في منطقة الانفجار، وتختلف المشاكل الصحية الناجمة عنها باختلاف الظروف في المناطق التالية لموقع الانفجار. وتكمن خطورتها الحقيقية في انتشار المستويات المنخفضة والمتوسطة من الأشعة الناجمة عنها، وقد يؤدي ذلك إلى الحاجة إلى إخلاء قطاعات كاملة من المدن لعدة سنوات. ويضيف د. شتاينهاسلر أن ذلك بسبب أن عملية التخلص من آثار الإشعاع غالية التكاليف وصعبة للغاية في أفضل الظروف، وفي بعض الأحيان تعتبر تلك المسألة في عداد المستحيل.
ويصف القنبلة القذرة بأنها أقرب إلى أسلحة «الاضطراب الشامل» منها إلى أسلحة «الدمار الشامل»، ردود فعل السلطات وقد أزعجت تلك التهديدات المؤسسات الفيدرالية، وتقوم هيئة تنظيم المواد النووية بمراجعة وسائل مراقبة تلك الأجهزة.
ويقول جون هيكي رئيس قسم مراقبة الأجهزة بهيئة تنظيم المواد النووية: «نحن ننظر في إصدار قانون يوجب الحصول على تراخيص لتلك الأجهزة من أجل زيادة الأمان»، ووجود معايير جديدة يمكن أن يقتصر فقط على تحسين مستوى معدات التخزين وتقويتها، والتي يقول عنها الخبراء إنها ليست كافية، وقاموا بإدانة هيئة تنظيم المواد النووية لأنها قد أغفلت مراقبة الأجهزة الإشعاعية الصغيرة، وركزت جهودها في المقابل على سلامة المفاعلات النووية الضخمة.
ويقول الخبراء إن هذا الجهاز محل الجدل يحتوي عمليا على مخارج للطاقة غيرضارة، والتي تعتمد على نظائر مشعة لتوليد الطاقة بدلا من الكهرباء لضمان وجود الطاقة باستمرار، وإذا ما كسرت تلك الأجهزة، فإنها يمكن أن تعرض الأشخاص إلى أشعة أقل كثافة من أشعة إكس المستخدمة لدى أطباء الأسنان.
وفي المقابل فإن القضيب الذي بحجم القلم الرصاص المستخدم في تعقيم الأطعمة خطير للغاية، لدرجة أن التعرض المباشر له يمكن أن يكون مميتا على الفور (مما يجعل سرقته أيضا صعبة للغاية).
وبالنسبة لعناصر مثل تلك التي وجدت في محل الرهونات، فهي تحتوي على عناصر من إيريديوم 92 والتي هي أصغر حجما من حبة البازلاء، ومادة الإيريديوم محاطة باليورانيوم المنضب من أجل عدم تسريب الإشعاع، ولكي يستخدم العاملون هذا الجهاز يقومون بوضع مصدر الإشعاع على أحد جانبي الأنبوب، ويضعون غلافا رقيقا على الآخر، والإشعاعات المنبعثة تستطيع تكوين صورة توضح أماكن الصدوع أوأية مناطق ضعف أخرى في المواسير.
ويقول الخبراء إنه إذا وقف الإنسان على بعد 30 سم من ذلك الإيريديوم الصلب لمدة ساعتين، فيمكن أن يتعرض إلى جرعات إشعاعية مميتة، وأرقام توزيع هذه الأجهزة المستخدمة في الولايات المتحدة تجعل عملية الحصر صعبة للغاية، كماتجعل الكوارث الناجمة عنها أكثر شيوعا.
ففي 15 مارس تم الإبلاغ عن سرقة 6 آلاف جهاز من أحد مواقع البناء في ولاية ميريلاند، والتي كانت تستخدم من أجل قياس الرطوبة داخل الخرسانة لتحديد إذا ما كانت قد جفت تماما، وهذه الأجهزة تحتوي جميعها على عدة جرامات من عنصرالسيزيوم 137، وهو عنصر عالي الإشعاع وخطر للغاية وذلك لأنه يحتوي على عناصر يمكنها الاستمرار في البيئة بلا فناء ولقرون عديدة، ويمكن أن تنتشر عن طريق السلسة الغذائية بانتقالها من العشب إلى الحيوانات إلى الإنسان، وتلك الأجهزة هي ما يقلق السلطات للغاية، فهي تحتوي على مواد خطيرة للغاية، وخاصة إذا ما تم مزجها مع عناصر أخرى مشابهة لها، وبعضها غير سام مثل تلك التي تستخدم في تعقيم الأطعمة، ولذا فهي لا تحتاج إلى أجهزة معقدة أو معلومات متقدمة من أجل التعامل معها.
وتقول وثائق هيئة تنظيم المواد المشعة إنه في فبراير اكتشف أحد المصنعين للورق في ولاية ويسكونسن أنه أرسل عن طريق الخطأ إلى الصين حمولة من أجهزة مشعة كانت تستخدم من أجل قياس كثافة المواد التي تستخدم لصنع الورق، وكان يقوم باختبارها أحد المسؤولين الذي هرع إليها، ولكن في فترة غذائه تم تفريغ الشحنات، ولم يتم اكتشافها والتوصل إليها بعد ذلك إلا بعد إجراء بحث دقيق.
ويبدو أن سبب الخلط كان لأن تلك الأجهزة كانت مغطاة داخل أغلفة مواد للسماد والتي حجبت الملصقات التي تحذر من الإشعاع.
وفي عام 1998 اختفت 19 قارورة تحوي عنصر السيزيوم 137 من مستشفى جرينزبرو، والتي كانت تستخدم في المعالجات الطبية، ولأن ذلك حدث في أثناء انعقاد التصفيات النهائية لدوري كرة السلة، فكانت الاحتياطات الأمنية عالية تحسبا لوقوع أية هجمات إرهابية، لذا تم تكليف فريق الطوارئ المسؤول عن البحث عن المواد المشعة بالبحث عن تلك القوارير، والتي لم يتم العثور عليها حتى الآن.
وفي عام 1996 تم بيع كاميرتين تستخدمان في التصوير الصناعي لأحد تجار قصاصات المعادن في ولاية هيوستن، وعندما كسرت إحدى تلك الكاميرات تعرض 11 من البالغين وطفلان إلى مستويات عالية من الإشعاع والتي وصفها الخبراء بأنها قد أدت إلى زيادة احتمالات تعرضهم إلى مشاكل صحية في المستقبل.
ويقول الخبراء إن احتمال تحول مثل تلك العناصر إلى «القنابل القذرة» وارد بشدة، وذلك لأنها تحتاج إلى معلومات علمية بسيطة في معظم الأحيان، والتي وصفها د. شتاينهاسلر المدرس بجامعة ستانفورد بأنها معلومات المرحلة الثانوية، وليست مثل علوم الصواريخ على سبيل المثال، ولكن يسهل تعقبها ومن الميزات القليلة للمواد النشطة إشعاعيا في مجال الاستخدام التجاري أنه يمكن اكتشافها بسهولة، بعكس بعض العناصر الأكثر فعالية مثل البلوتونيوم، فعلى سبيل المثال إذا ما تم تغطية البلوتونيوم بورق معدني فإنه تقريبا من المستحيل اكتشافه، في حين أنه إذا تم تغطية عنصر السيزيوم 137 بأغلفة من الرصاص فيمكن تعقبها بواسطة أجهزة الاكتشاف الدقيقة.
كريستيان ساينس مونيتور خاص |