Tuesday 16th April,200210792العددالثلاثاء 3 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

لما هو آت لما هو آت
التغيُّر الأسرع للأفضل الأنصع
د. خيرية إبراهيم السقاف

من الصعوبة أن يتخيَّل شخص ما سرعة ما يحدث من متغيِّرات جذرية في كثير من القيم في حياة الإنسان المعاصر...، ولئن كانت البُنى المجتمعية غير القابلة للتبدُّلات المفاجئة ترفض الخضوع لأي «زعزعة» لها تأتي في شكلٍ هجومي يكون لها ردَّات فعلها الرَّافضة، بمثل ما يرفض جلد الإنسان والكائنات الحيَّة التَّعرُّض للسع النَّار في الوهلة الأولى لصدمتها، فإنَّ المتغيَّرات غير الدائمة القابلة للتغيُّر ترفض أيضاً فجائية المثول أمام مفاجآت التغيُّر، ما لم تتمازج بكلِّ العوامل، وتذهب في التَّقبُّل التَّدرُّجي لما يطرأ، تماماً كما هي «طبخة» الأكل التي تأخذ وقتها كي تنضج، وما لا يدخل في أسس تركيبتها يُترك فائضاً قبل البَدء في طبخها، وما لا يُفصل مادياً، يتبخَّر عند وضعها على النَّار، وبعد أن تبدأ في التَّعرُّض لدرجات عالية من هذه النَّار...
غير أنَّ الحركة السياسية الاستعمارية الهجومية الطاغية الباغية المباغتة المتوقَّعة التي طُبخت منذ وعد (بلفور) إلى الإيذان «الإشاراتي» لبوش، إلى «اسفنجة» مسح الغبار «باول»، ومنذ مكوكيات كسنجر إلى ما لا يدريه قادم الأيام مما هو مرسوم فوق سحنة وبين حاجبي النَّازي المظلم شارون، ومنذ قبيحة إسرائيل نظيرته جولد مائير وحتى تفجُّر حجر الرَّضيع بين حواجبهم فانهمرت بحور الفسق الخلقي والأمراض الدفينة فيهم كي تحجب رؤى الثَّابت والمتغيِّر، وكي لا تترك أفعالاً ولا ردَّات أفعال تصمت أمام هول هذا الواقع في جحيمه الذي لا يُطاق، إذ لم يعد الجحيم يشمل «الماديَّات» القابلة للتغيُّر، المتحرِّكة مع الوضع، المتبدِّلة حسب الموقف، وإنَّما شملت كلَّ نبضة ناطقة في صوت، أو متحرِّكة في صمت في الإنسان، راودني ذلك بما يدلي به كثير من المفكِّرين والمثقفين، بل رجال الشَّارع، وفي البيوت، وعلى طاولات القهوة على الأرصفة الممتدة في الشوارع الرَّئيسة والفرعية والشعبية في كافَّة بقاع الأرض عن قبح ما وصل إليه الوضع وإلى وضاعة ما تكشَّفت عنه الحقائق.. وهذه «المواقع» و«الصُّحف» وكافَّة القنوات الأخبارية، والحوارية تؤكِّد على أنَّ ثمة تغيُّر طارئ وهام ومباغت سالب وليس فيه أدنى إيجاب قد حدث، إلاَّ ما كان منه يتعلَّق بالفلسطيني الفرد بنوعيه، هذا الذي سُجَّلت له بطاقة بيضاء فحملها كلُّ مشاهد لهذا الحدث وأودعها مخبأ قميصه الداخلي بجوار قلبه، وربَّت عليه فوق صدره لبطولة هذا الفلسطيني، وصدقه مع قضيته، وإيمانه بها...ولم يكن هذا الشرقيُّ والغربيُّ الأوروبيُّ والأمريكيُّ أيضاً وفي كلِّ بقاع الأرض يتخيَّل ذات يوم أن يضع «الفلسطينيُّ» قريباً من قلبه إن لم نقل أنَّه دخل إليه عن عقله وليس عن سواه، إذ قضيته أكبر، واحتماله أوسع، وقوَّته أشدُّ، وصموده لا مثيل له....، هذا الصَّوت القادم من قلب أوروبا يحمل النقد اللاَّذع عن أيِّ وسيلة نقل، أو اتصال لا يجد غضاضة في وصفه للإسرائيلي الذي رُمي بحذاء صبيٍّ فلسطينيٍّ، فوجد الحذاء يصرخ محتجاً كيف يعرِّضه الرَّامي لمثل هذا النَّوع من النَّجس؟... إنَّه تبدُّل فجائي ما كان ليحدث في ظواهر الماديَّات بمثل ما حدث في جذور المعنويَّات وفي سرعة فائقة يحسب النَّازيُّون أنَّهم أصحاب قوة، وحق، فإذا هم يرمون أنفسهم في أتون الضَّعف، والجريمة المنتهكة لكلِّ حق فتنقلب عليهم الرَّحى، وتطحنهم الحقيقة، ويدبر عنهم النَّعيم ليواجههم الجحيم... في تبدُّل فجائي... ما خلا منه كتاب اللَّه العظيم الحكيم بأنَّهم بعد غلبهم سيغلبون، وبأنَّ اللَّه تعالى {لا يٍغّيٌَرٍ مّا بٌقّوًمُ حّتَّى" يٍغّيٌَرٍوا مّا بٌأّنفٍسٌهٌمً} [الرعد: 11] ..
إنَّ هذه المرحلة القائمة لتؤكِّد فجائية الانتقال في ظاهر أوضاع الحياة مهما كانت تُطبخ على نار هادئة، ومهما خُطِّط لها ودُبِّر من أجلها، إلاَّ أنَّ اللَّه تعالى يُسيِّر الأمور كما يريد، حيث لم تكن تتخيَّل الدَّولة المتجبِّرة التي احتلت في أسبوع مواقع امتدت تشمل ثلاثة بلدان في حرب سابقة أن تعجز أمام مخيَّم أعزل لا قوة فيه إلاَّ قوة الحق والإيمان والثِّقة باللَّه تعالى، ولئن سحقت بآلتها، فلسوف يسحقها اللَّه بقدرته، ولئن ضحكت كثيراً فلسوف تبكي أكثر، ولئن خسرت قليلاً فلسوف تخسر أكثر... في معركة قامت على خديعة فتغيَّر معها الكثير، وسوف تنتهي على حقيقة يكون معها وجه التغيُّر ناصعاً بالنَّصر من اللَّه لكلِّ من صبر وامتثل لجهاد الوطن هناك في فلسطين.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved