Tuesday 16th April,200210792العددالثلاثاء 3 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الجوهرة المأسوف على فقدها!! الجوهرة المأسوف على فقدها!!
عبدالرحمن بن سليمان الرويشد

عندما تفيض المشاعر بالأسى على فراق محبوبٍ، أو فقد غالٍ فإن الوسيلة المستطاعة للخلاص من تلك المعاناة هو التعبير واستلهام الذكريات، فالموت حكمة الله في خلقه، وهو منطق الوجود حتى ولو لم نرحب به أو نبتهج بقدومه.
لكن المؤمن يجد في الإيمان القوي ما يستطيع أن يحوِّل به مرارة الموت الى حلاوة اليقين المفعم بالرضا. وأن الموت راحة للعبد بعد عناء رحلة شاقة وطويلة!!
وإذا كان الموت قد طوى حياة الكثير من بني الإنسان، وأخفى جثثهم شأنه في كل التاريخ.. إلا أنه مع ذلك لم يستطع أن ينهي الذكريات! أو يمحو الآثار التي ظلت مادةً ووقوداً لإشعال الحياة من جديد!! فكان في كل ذلك العزاء وبه تقبل الناس جميعاً ذلك المصير المحتوم.
وبالأمس القريب تخطفت يد المنون في السابع والعشرين من شهر المحرم سنة 1423ه سيدة وأميرة كبيرة من فضليات نساء العائلة السعودية الكريمة، الجوهرة بنت الأمير سعود «الكبير» ابن عبدالعزيز بن الإمام سعود بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن الإمام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى والأمير سعود «الكبير» من الشخصيات البارزة في الأسرة السعودية، فهو فارس مغوار في مقدمة الشجعان المشاركين في الكثير من المعارك الى جانب ابن عمه الملك عبدالعزيز إبان توحيد المملكة والقضاء على الفتن وإخمادها، فكان من الأعضاء الأقوياء في استقرار الأمن والطمأنينة في هذه البلاد. جم التواضع حسن الخلق شديد التدين والالتزام بقواعد الشريعة، وفهم الفقه الإسلامي، ومن رواة الشعر والتاريخ والآداب وكان يلقَّب ب«سعود الكبير» لمكانته في الأسرة وللتفريق في الاسم بينه وبين سميه الأمير سعود بن الملك عبدالعزيز، حيث كان يطلق على كل منهما اسم سعود بن عبدالعزيز، فما كان من الملك عبدالعزيز إلا أن أطلق على ابن عمه لقب سعود الكبير نظراً لكبر سنه. فظل هذا اللقب يلازم سعود بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل طيلة حياته وحتى بعد وفاته. رحمه الله!!
أما والدة فقيدتنا الأميرة الجوهرة فهي الأميرة الشهيرة نورة بنت الإمام عبدالرحمن بن فيصل، شقيقة الملك عبدالعزيز ذات المكانة والصيت الرفيع والتي ارتبط تاريخها بتاريخ أخيها الملك عبدالعزيز منذ الطفولة، وكان من آثار ذلك الارتباط أن أصبحت عاملاً مهماً في تثبيت عزيمة أخيها الملك عبدالعزيز عندما أبدى لها رغبته في استعادة ملك آبائه وأجداده وهما في الكويت. وكانت نخوة عبدالعزيز المفضلة ونخوة إخوته وكبار الفرسان من العائلة الكريمة الهتاف باسمها عند الاقتضاء ولا سيما عند خوض المعارك.. وكان من اليمن الذي لازم هذه الأميرة زواجها من ابن عمها الأمير سعود الكبير والد الفقيدة، تلك الزيجة التي لمت شمل الاسرة والعائلة في عهد الملك عبدالعزيز، فكانت فاتحة خير وبركة للجميع ولذلك مارست تلك السيدة العظيمة طيلة حياتها دور السيدة الأولى في القصر تحت سمع وبصر أخيها تستقبل وتشارك في الرأي وفي حل المعضلات وفي كثير من الشؤون المهمة والمصالح العامة!!
وإذاً، فلا غرو أن تجدد ذكرى وفاة الأميرة الجوهرة مشاعر الأسف تجاه أفول هذا الرمز البارز بين نساء العائلة بصفة خاصة وبين نساء الوطن بصفة عامة، حيث كانت الفقيدة الجوهرة سيدة عظيمة في حياتها، قوية في شخصيتها وتربيتها، وكان من حسن حظها أن أدركت الكثير من أعلام أسرتها من الجيل القديم ممن كان يتمتع بالحكمة والرزانة والحفاظ على التقاليد الأسرية والتمسك بالعقيدة السلفية والحرص على نفوذ وبسط الشريعة وأن تتلقى منهم مشافهة نتائج خبراتهم المتراكمة المتوارثة جيلاً بعد جيل عن أحداث وتاريخ البيت السعودي الكريم منذ نشأته مما تحرص الأسرة الكريمة على نقله وتلقينه وبثه في نفوس صغارها.
فممن أدركت هذه السيدة من الجيل القديم الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي، والأميرة طرفة بنت الإمام فيصل، والأميرة سارة ابنة عمها الإمام عبدالله بن فيصل، وجدها الإمام عبدالرحمن بن فيصل والد أمها «نورة» ومن خالاتها الأميرات الفضليات الأميرة هيا والأميرة منيرة، وعدداً آخر من أعلام هذه الأسرة.
فكان أن تلقت الكثير من العلوم والمعارف والخلق والتجارب المعتصرة في ضمائر وأخلاق وتاريخ، ذلك الجيل الكريم!!
كما عاشت الأميرة الفقيدة شبابها كله تحت رؤية خالها سيد الجزيرة العربية الملك عبدالعزيز وأمها الأميرة نورة. فكان لذلك كله أثر بارز في تكوين شخصيتها وتربيتها الفريدة رحمها الله.
وعلى هذا القدر تتمتع سيدات القصر الملكي السعودي منذ القدم بخصائص وسلوكيات ضرورية يدفع الغالي والنفيس من أجل إنضاج عملية التربية الأسرية فيه تحسباً لإنتاج القادة والزعامة والفروسية والقيادات الشعبية من خلال تلك التربية، الى جانب إعطاء دور رئيسي للمرأة في هذا البيت ضمن تفاعلات التربية الاجتماعية، واللقاءات المستمرة في جلسات وندوات تشبه ندوات ومجالس رجال كبار الأسرة.
وبذلك يسهل التلقي والتواصل بين كبار وصغار وشباب الأسرة ويكاد يتوحَّد نهجها التربوي في التعامل مع مختلف أنماط سلوكيات المجتمع السعودي.
من هنا كانت مشاركة هذه السيدة وإسهامها في مجال العمل الخيري والتربوي، وما قدمته على الصعيد الأسرى والوطني من دعم متواصل للمؤسسات الخاصة والخيرية ينبىء عن مكانة هذه السيدة، كما ينبئ عن قدرتها. فهي صيغة حقيقة من صيغ نساء الأسرة العاملات في مجال العطاء والإنماء، وقد استطاعت في ميدان الأعمال الإنسانية أن تبلغ شأواً بعيداً حصلت بموجبه على الكثير من التقدير والاحتفاء من عائلتها ومن الأسر الأخرى.
فقد تبنت الكثير من المؤسسات العلمية والاجتماعية والخيرية في بلادنا مما لا داعي لذكره. فقد كانت تنفق من جهدها ومالها الكثير ومع ذلك لا تحب أن يشار الى ما قدمت. فهي بحق رمز إنساني يؤكِّد قدرة المرأة السعودية وكفاءتها وقدرتها على العطاء بقدر ما هي فائقة في خبراتها وتحملها للمسؤولية. وهذا واضح من خلال قدرة المرحومة على إدارة أعمالها وشؤونها الخاصة قبل أن يحل بها المرض.
فقد كانت رحمها الله قائدة بكل ما تعنيه كلمة القيادة، حيث كانت منذ نشأتها واسعة الفكر والتوجيه والقدرة على الإدارة ليس على مستوى الدرجات العلمية ولكن على مستوى الفهم والوعي والكفاءة الذاتية.. فمستوى العطاء والقيادة ليس مقصوراً على حملة الشهادات العليا فقط من النساء أو الرجال، لكنها على كل حال كانت في مجال العمل الخيري والثقافي العام وفي تنمية المجتمع على أعلى مستوى ومكانة!!
وهنا لا بد أن أشير الى مستوى ثقافتها العامة فقد كانت مثقفة درست في شبابها القرآن الكريم والسنَّة النبوية والثقافة العامة على إحدى نساء الجيل القديم من المعلِّمات في مدينة الرياض لدى «المطوِّعة» المعروفة أم صالح بن حميِّد زوجة الشيخ محمد بن حميِّد، كما درست وواظبت على التلقي من الشيخ العالم الجليل عبدالله النصيبي وعلى الشيخ الجليل عبدالله بن حميِّد وعلى غيرهم من العلماء والفضلاء ممن كانوا يتصلون بوالدتها الأميرة الجليلة نورة بنت عبدالرحمن الفيصل ويغشون دارها في أكثر الأيام.
ولدت الأميرة الجوهرة رحمها الله بعد دخول الملك عبدالعزيز إلى الأحساء بأربع سنوات تقريباً.. وقد تزوَّجها الأمير فيصل ابن الملك عبدالعزيز في شبابها فأنجبت له الأميرة مشاعل.. كما تزوَّجت فيما بعد ابن عمها الأمير سعود بن محمد بن عبدالعزيز آل سعود فأنجبت له الأميرة مضاوي.
فعليه تكون قد عاشت حوالي ثمانية وثمانين عاماً ثم وافتها المنية بعد مرض عضال.. أرجو الله أن يكون ذلك طهرةً لها، وأن يرزق أهلها وعائلتها من الأسرة السعودية الكريمة ولا سيما من عائلة آل سعود بن فيصل الكرام، أمراء وأميرات.. الصبر والسلوان وحسن العزاء، وأن يرحم الفقيدة التي كانت ممن يراقب الله في السِّر والعلن وممن يعمل في صمت أكثر مما يعمل في صخب. كما كانت تتمتع بخصال عرفها أقرب الناس إليها، حيث كانت تكره الرياء والنفاق وتحب الصراحة والمواجهة بالرأي، وكانت بحق تقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت. وكان أحب شيء إليها صدقة السِّر وعدم الجهر بما ينفق لوجه الله!!
وما أحوجنا جميعاً الى ان نعود الى التأسي بأخلاقها الكريمة رحمها الله وكافأها على توحيدها وصلاتها وجهادها الخيري الاجتماعي خير الجزاء، وعوّض الأسرة السعودية الكريمة بفقدها خيراً.. والله خير مجيب..

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير إدارة المعلومات
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved