Monday 22nd April,200210798العددالأثنين 9 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

مَطَر «الرَّبُوع».. وسَيْل «الرَّبُوع»..؟! مَطَر «الرَّبُوع».. وسَيْل «الرَّبُوع»..؟!
حمّاد بن حامد السالمي

.. نقول «الربوع» هنا، مع العامة تجوزاً لا غير، فهم الذين يتحاشون الهمز غالباً في الدارج من كلامهم لثقله، فيهربون منه إلى ما هو أسهل منه في النطق بدونه، ومن ذلك، إخفاؤهم ما يلحق بعض الكلمات من همز مثل: الثلاثاء، فيقولون «الثلوث»، والأربعاء، فيقولون «الربوع».
.. على ان «الرَّبُوع»في لغة العرب؛ لفظ يعني: ( بقرة تحلب أربعة أقداح فهي رَبُوع) ، والجمع «رُبُع ورَبَائِع»، و«ربوع البقرة»، ليس له صلة ب«ربوع» أهل البقرة!.
.. أما «الأربعاء» الذي نعرف، فإنه اليوم الرابع من أيام الأسبوع عند العرب، بدليل هذه التسمية، فاليوم الأول الأحد، والثاني الاثنين، والثالث الثلاثاء، والأربعاء هو رابع الأيام، ثم يأتي الخميس، وهو اليوم الخامس في الأسبوع.
.. أما الآن، فإلى مطر «الربوع»، وسيل «الربوع».
.. لقد كان يوم الأربعاء قبل الماضي، «27 من المحرم لعام 1423ه» الموافق للعاشر من ابريل 2002م، والموافق للحادي والعشرين من برج الحمل، أول شهر في الربيع، ومنتصف نوء العقرب، يوماً فريداً في الأيام، وفرحاً عميماً بين الأنام.. أربعاء ليس ككل «الأربع آت»، التي مرت على مدار «61» عاماً مضت. فقد لبست السماء فيه حلة سوداء، قبل انسلاخ ليل الثلاثاء، فما ان بدت بشائر فجر الأربعاء، حتى انفتقت عن أفواه كأفواه القرب، وصبت ماء كسيل السُّرَب، وحجبت عن أرضنا الغزالة، طيلة النهار، فليس هناك من شيء يسمع أو ينظر، سوى برق ورعد، ورش وبَرَد، واتصلت الأرض بالسماء، فاهتزت تلاعها وشعافها، وسالت أوديتها وشعابها، وتدافعت السيول إلى أغوارها ووهادها، وعاش الناس في نشوة وفرح، قرابة اربع وعشرين ساعة، عمت بنوئها بقاع، وشملت بخيرها صقاع.
.. بدأ هطول الأمطار بالطائف، ثم اتصل ليشمل مكة المكرمة، والليث، والقنفذة، وجازان، والباحة، وتربة، والخرمة، ورنية، والمويه، وغيرها من المدن والقرى والبلدات.
.. لقد كان بحق، مطر «الربع» الذي يُطْرَى، بعد سيل «الربوع» الذي جَرَى.
.. كان حادثاً سعيداً لم تعرفه البلاد منذ سنين عديدة، إنه «ربوع» يُذكِّر ب«ربوع»، ومطر يُذكِّر بمطر، وسيل يُذكِّر بسيل.
.. «ربوعان» جاءا في ابريل/اذار، وبينهما «61» عاماً الأول في اليوم الثاني منه عام 1941م، والثاني في اليوم العاشر منه عام 2002م.
وهما كانا في نوء واحد هو «العقرب»، وفي برج واحد هو «الحمل»، وفي فصل واحد هو «الربيع»، وفي ظرف عصيب واحد، هو الحرب، الحرب الكونية الثانية، حرب «شارون» الخبيثة الظالمة في هذا العام..! فسبحان الله!..
.. ما إن جاء «ربوع» المطر هذا العام حتى عادت الذاكرة الشعبية بنا إلى الوراء، إلى «ربوع» العام 1360ه.
.. كيف جاء ربوع العام 1941م، أو «6 من ربيع الأول 1360ه»؟..
.. يروي أحد المسنين من ضواحي الطائف، ممن عاش هذه التجربة الفريدة، يقول: أمسينا ليلة الأربعاء، والسماء ملبدة بسحب داكنة سوداء، وقبيل بزوغ الفجر كانت الريح تدفع إلينا من الشرق، بما يشبه الجبال المتحركة، أو الهضاب السود الزاحفة، ثم أمطرت كما لم تمطر من قبل، فلم أشهد في حياتي مثل هذا الحادث العظيم، لا قبله ولا بعده، فلم تمض ساعة، إلا والأرض تموج، والناس يصرخون، والحيوانات تفزع، فقد بدأت الدور تتساقط وعلا دوي السيول المتدافعة عبر الشعاب والأودية، وكنا نخرج هنيهات لاستقبال السيل، فيعود المطر كرة أخرى، حتى مضى معظم النهار ونحن في مطر وسيل، وسيل ومطر، حتى سالت جميع الأودية سبعة سيول متلاحقة فجرفت المزارع، ودفنت البئار، وأخذت بعض الناس والأنعام، وتناقل الناس أخبار هذا الحادث على مدار العام، بل اصبح يوماً مشهوداً في حياتهم، يؤرخ به على مر الأعوام، فيقال: ولد زيد من الناس، أو مات عمرو، عام سيل «الربوع»، أو وقع كذا وكذا، قبل او بعد سيل الربوع، فصار مثل أيام العرب الشهيرة، التي يؤرخون بها حوادثهم، ويوثقون بها نوازلهم، مثل يوم ذي قار، ويوم القادسية، ويوم بدر، وعام الرمادة.. ونحو ذلك.
.. كان محدثي، من القرويين الفلاحين العصاميين، وكنت ألمح في عينيه العسليتين، حسرة مشتاق مستهام، إلى يوم «الربوع» العظيم، حتى وان صاحبه خراب ودمار، فقد أعقبه خير وبركة، ونعم وفيرة لا تحصى، عمت البادية والحاضرة، ولهذا.. كان هذا القروي الحكيم ينبهني إلى جمل لا يستسيغها، ترد في وصفنا لما ينتج عن الأمطار والسيول، وقولنا: دمار وخراب ونحو ذلك، ويرى ان كل متلوف من مطر أو سيل، مخلوف بمشيئة الله، لأن المطر رحمة من السماء، تعم العباد والبلاد.
.. ومن لطائف الصدف، ما وقع عليه نظري في هذا الشأن، وأنا أتصفح المجلد الخامس من مجلة «المنهل» لعامي «59/ 1360ه» حين وجدت صاحبها ومؤسسها الشيخ عبدالقدوس الأنصاري رحمه الله قد كتب مقالاً أدبياً يوثق لهذه المناسبة الجليلة تحت عنوان: «ذكرى اليوم المطير، والسيل الخطير»، فيبدأه بقوله: «السماء مكفهرة، والسحب مضطربة، تتجمع في منطقة واحدة هي سماء مكة، فتبدو للناظرين، سماء من تحت سماء، وأرضاً من فوق أرض..» ثم يختمها بما حدث ومازال باقيا في اذهان الناس فيقول: «وهكذا كان هذا المطر الزاخر، وهذا السيل الجارف، سيل عام 1360ه، حديث الخاص والعام طيلة هذا الشهر، وسيظل حديثهم حقبة من الدهر».
.. وهكذا كان سيل «الربوع» ملء الذاكرة حتى اليوم، وسيبقى.
.. وفي مكان آخر من نفس العدد، أوردت «المنهل» خبراً يفصل الحادث، وما نجم عنه من آثار، على مستوى مكة المكرمة، نصه: «جادت السماء في صبيحة يوم الأربعاء، الموافق 6 ربيع اول، سنة 1360ه بمطر منهمر على مكة انهماراً عظيماً، واستمر هطول المطر، من الساعة الواحدة إلا ربعاً صباحاً، حتى الساعة الثامنة نهاراً».. وهكذا نرى، ان هطول المطر استمر زهاء سبع ساعات، من الساعة الواحدة إلا ربعاً صباحاً بالتوقيت الغروبي طبعاً حتى آخر النهار، وهذا التوقيت لمطر «الربوع» في تلك السنة، كان موحداً أو شبه موحد، على كافة مناطق البلاد كما يروي الرواة.
.. وفي العدد الذي تلاه والصادر في جمادى الآخرة من عام 1360ه الموافق يونيو 1941م عثرت على قطعة أدبية موشاة بيراع السيد إبراهيم هاشم فلالي، يقول فيها: «أطل وجه الصبح في هذا اليوم على الناس، كما يطل العفريت المقنع، له دمدمة الأسد المخنوق، وبين الفينة والفينة يرسل إلى الأرض وميضاً يخطف الأبصار، وكانت السحب سوداً قاتمة، وكأنها تجمعت من منبع بترول محترق.. يتصبب منها المطر كما يتصبب العرق من عملاق مجهود!.. وما كادت الشمس تعتلي الأفق، حتى تعثرت بكتل الغمام، ثم اختفت عن الأنظار».
.. ويقول الفلالي في مكان آخر: «ثم أذن العصر، فأمسكت السماء مصابها، وكفكف السيل من طغيانه، وتلطفت حدة الهواء، وبدا وجه الأرض في شقوق وبثور كوجه المهزوم، يخرج من المعركة، وانتشر الناس يتلمسون مقتنياتهم التي اختطفها السيل من المنازل، والحيوانات، راعهم ما رأوا من اثر السيل، فقد تبدل كل شيء، واستحال المسجد الحرام إلى بحيرة تمخر في لجتها المنابر والمرافع والأخداب، واستحالت الشوارع إلى خنادق غير منتظمة».
.. ويختم الفلالي مقاله الأدبي التاريخي فيقول: «ذلك هو يوم الأربعاء، وإن هو إلا كما يراه القارئ، صورة مصغرة من صور العالم الثائر، ودرس من دروس الحياة القاسية، يفوه به الكون، ليعتبر بها هذا المخلوق الضعيف الممتلئ غروراً.. ذلك الذي يقال له الإنسان.. فهل يعتبر؟».
.. ولشدة ما آسفني، ذلك الانقطاع الذي وقع في إصدار مجلة «المنهل» من رمضان 1360ه وحتى ذي الحجة 1365ه بسبب الحرب العالمية الثانية، وذيولها على أسعار الورق، كما قال مؤسسها في افتتاحية المجلد السادس محرم 1365ه ديسمبر 1945م، ولو استمر صدورها دون انقطاع لاتحفتنا بأدبيات تاريخية فذة عن حادث سيل «الربوع» من مثل ما اتحفنا به الأستاذ الأنصاري والسيد الفيلالي، ولا شك ان المطبوعات الأخرى المعاصرة لها، قد توقفت عن الصدور هي الأخرى، متأثرة بأزمة الورق، ويؤيد ذلك، إعلان الحكومة المنشور في آخر العدد، بايقاف المطبوعات لهذا السبب.
.. ثم ان من أجمل ما وجدت بالمجلد الخامس الآنف الذكر، ان المجلة أعلنت في ذيل الجزء السابع من هذا المجلد، عن عزمها تخصيص الجزء الذي يليه، عن مصايف البلاد العربية السعودية، وهو أول جزء يصدر في تاريخ الصحافة السعودية بهذه البلاد، كما ذكرت المجلة.
.. وجاء في هذا الجزء لشهري رجب وشعبان في ست واربعين صفحة، وواكب صدوره، انتقال جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله وحكومته إلى الطائف، المصيف الأول للبلاد، وذلك بعد مرور ثلاثة أشهر فقط من حادث سيل «الربوع» الشهير، ولا شك ان الطائف كان وقتها مثل غيره من البلدان، مربعاً مثمراً كجنة خضراء يانعة، أثارت قريحة شاعر الملك، «احمد بن إبراهيم الغزاوي» رحمه الله فكتب قصيدته المشهورة: «في المصيف»، وكانت بحق، من قلائد شعره، وفيها يقول:


خل الخيال.. وذرني منه انطلق
فقد نحلت به واشتفني الأرق

.. وهي مكونة من واحد وأربعين بيتاً.. منها:


إلى ملاعب غزلان.. سنحن ضحىً
بين العقيق ووج.. حيث تعتلق
إلى العقبان بالمثناة.. تحسبها
أطياف شعرك.. لولا انه رهق
لله درك من «وادٍ» شغفت به
أراه بالكوثر الفياض ينتطق
لا غرو أنت على العلات من قدم
إلى «المسرة» مهما استعصمت نفق

.. وفي القصيدة ذاتها، يشير الشاعر إلى الطبيعة الغناء، بعد أمطار وسيل «الربوع» العظيم فيقول:


فانظر إلى الأرض في أثواب سندسها
هيفاء ينضح من اردانها العبق
خضراء ناضرة صفراء فاقعة
حمراء ساطعة يزهو بها الأفق
كأنها وهي بالألوان مشرقة
لعاب شمس الضحى أو انها الشفق
تروح فيها وتغدو الطير عابثة
على الغصون زرافات وتستبق

.. على ان النعم الوفيرة التي اعقبت سيل «الربوع» جاءت في أجواء الحرب الكونية الثانية، التي أتت على كل أخضر ويابس، والشاعر في هذه القصيدة العصماء، يهون من كدر الحرب والحوادث ويرد ما وقع إلى قضاء الله وقدره:


إن الحوادث والأيام سلسلة
كر العصور على أطرافها حلق
مرهونة بقضاء الله واضحة
لما يريد، فلا خوف ولا قلق!!

.. ما أشبه الليلة بالبارحة!.. «رَبُوع» و«رَبُوع».. مطر ومطر.. سيل وسيل، ولكن.. من نعم الله التي صاحبت مطر «رَبُوعِنا»، فعمت عدداً من «رُبُوعِنا»، أنها كشفت كثيراً من الأغطية، عن عديد الجوانب التي كنا نظنها «عال العال»!.. فظهرت عورات الهاتف، وبانت سوءات الكهرباء، وتعرت الشوارع والميادين، من قشور «الزفت» وطلائه، التي كانت تسترها من الأعين!..
.. اللهم يا كريم يا رحيم.. زد وبارك، واجعل مطرك وسيلك كل يوم، كل أحد، واثنين، وثلاثاء، وأربعاء، وخميس، وجمعة، وسبت.. آمين.
فاكس: 027361552

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved