Monday 22nd April,200210798العددالأثنين 9 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

سطور سطور
شهادة على العصر
فوزية محمد الجلال

في منتصف القرن الثامن عشر، وفي باريس أكبر مدن فرنسا، وبين شارعي «اوفير» و«فيرونيري»، وفي «مقبرة الأبرياء» على وجه التحديد، دارت أحداث رواية «العطر» للأديب الألماني «باتريك زوسكيند» والتي حصل بها على جائزة «جوتنبرغ للكاتب الفرانكفوني». تصور «العطر» واقعا دثره الظلام والجهل والظلم والاستبداد مئات السنين، وعاش في ظلاله الكئيبة الإنسان الأوروبي وذلك عبر لقطات متلاحقة صور بها «زوسكيند» في دقة وصفية متناهية غياب العدالة والحرية والإنسانية، واختراقاً باسم الكنيسة، وعلى مرأى ومسمع من قساوستها، لطبيعة وفطرة الحياة، أسفر عن آلاف «اللقطاء» الذين تقذف بهم «باريس» سنويا، وتعج بهم ملاجئها التي تنتشر كالوباء أو يغيبهم الموت وسط أكوام القاذورات وفي الزوايا المظلمة. وفي غياب القانون جسد «زوسكيند» صوراً شاحبة أخرى عن ظهور القتلة واللصوص والمشعوذين والأفاقين والسفلة، الذين أمطروا ليل باريس خوفا ورعبا وفي إعلان شكلي لعدالة وهمية يتعالى يوميا عويل أجراس الكنائس يصم آذان المدينة منبهاً إلى «مجرم» و«جلاد» و«مقصلة» و«نهاية» قد لا تكون عادلة فلا قانون بل طقوس وخرافات وثقافة غيبيات تستوطن رؤوس القضاة وتنسدل مع ضفائرهم وتستصدر أحكامهم! حملت الرواية أيضا صوراً موجعة عن ظلم وسطوة الإنسان على أخيه الإنسان، مثلتها أعمال «السخرة» التي يشكل القسم الأكبر من ضحاياها، الأطفال والنساء في مشاهد عدوان وقسوة وغلظة لا تصدق تنتهي بهم غالبا إلى العجز أو الموت. ومن صميم هذا الواقع المسحوق صنع «زوسكيند» بطل روايته «غرنوي اللقيط» فجاء بلا ملامح، بلا إنسانية، بلا هوية مسخاً بارداً نجا من الموت تحت أكوام النفايات والروائح العفنة، ليكبر ويترعرع في أقبية وسراديب باريس الرطبة المظلمة، التي ارتشف عبرها جرعات هائلة من الروائح، تداخلت في روحه وكيانه، وصاغت منه سلوكيات متناقضة غير قابلة للتفسير على الاطلاق، ثم توهجت حياته حلماً بحجم باريس، عندما تسللت إلى روحه ذات مساء «رائحة» قادته إلى حيث «نبع العطر الخالد» إلى حيث خلاصة عطور الدنيا إلى حيث اتسعت الهوة بينه وبين العقل عند هذا النبع/ الخطيئة جرت أحداث هي الأهم، سطر بها «زوسكيند» الجزء الأخير من روايته، الذي خاض تفاصيله بمهارة بحار عتيق، وبلغة سردية متمكنة، نقل عبرها حياة كاملة لعصر كامل، حشد فيها مئات الصور الناطقة للأمكنة، للأزمنة، للناس، للرموز، للرغبات، للذكريات، للتداعيات، للفضائل، للخير، للشر، ومارس «زوسكيند» نصر الكاتب، عندما أفلح في «دعوة» القارئ إلى مرسمه الخاص، حيث عشرات الصور والرسوم واللوحات والمجسمات، التي مكنته من نقل القارئ من عالمه إلى حيث عاش ومات آخرون في زمان ومكان وظرف مختلف. في البدء تستيقظ فيك وأنت تقرأ الرواية حالة من التوثب والانتظار، سرعان ما يحولها «زوسكيند» إلى ذوبان كامل في واقع تراه عيناك وتلمسه حواسك وتعيش أدق تفاصيله وكأنك أحد شخوصه. وبعد ان تعود لعصرك وتتحسس الأرض تحت قدميك، يلح عليك هذا السؤال: هل سأحظى ذات يوم بقراءة رواية محلية تصور الإنسان العربي في فترات تاريخية سابقة، وتعد بحق «شاهدة على عصره» بكل تفاصيله؟

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved