العقيدة والسياسة: معالم نظرية عامة للدولة الإسلامية
يقدم الكتاب تصورا عاما لقواعد العمل السياسي في الدولة الإسلامية، ويدعو إلى تأسيس الفعل السياسي الإسلامي على منظومة تقوم على نوعين من المبادئ:
ü مبادئ مستقاة من معين الوحي
ü مبادئ مستمدة من الخبرة التاريخية
يتعلق النوع الأول بتحديد ضوابط الفعل السياسي ومقاصده، بينما يرتبط الثاني بتعيين الآليات الناجعة والبنية المثلى لتحقيق المقاصد وأعمال الضوابط.
هذه الدراسة كما قدمت تسعى للتأصيل لنظام سياسي يعتمد المعيار الإسلامي ويؤطر له في محيط اجتماعي وسياسي مختلف في بنيته ومتطلباته عن المجتمع الذي واكب بروز الفقه السياسي في تاريخ الفكر الإسلامي. كما تبرز الحاجة إلى نظرية عامة للنظام السياسي الإسلامي وقد استعرضت الدراسة الدور الذي يمكن ان تلعبه (العقيدة) في الحياة السياسية للمجتمع المسلم وكيف ان توظيف العقيدة في الصراع على السلطة، يضعضع أسس الوحدة السياسية للأمة. وتخلص الدراسة إلى ان الوحدة السياسية الإسلامية لاتتعارض مع مبدأ التعددية العقدية، بل تحتويه ضمن إطار العقدي العام.
وفي هذا السياق تطرح الدراسة عدة تساؤلات عن الأمة وتكوينها وعلاقتها بالرابط القومي والعقدية، كما تبحث في علاقتها مع الجماعات العقدية الأخرى. ثم تستعرض الأسس العامة للدولة الإسلامية، انطلاقاً من نصوص الوحي ونتائج التجربة السياسية الإسلامية الأولى، انطلاقا من نصوص الوحي ونتائج التجربة السياسية الإسلامية الأولى. وتحلل مصدري النظام السياسي والأمة والشريعة، فتبحث في مبدأ الشورى، وتقف أمام ماهية مجلس الشورى ووظيفته وإشكالية النيابة وحدود منصب الرئاسة ومقتضياته.
من الكتاب: «... ومع غياب المبدأ الأخلاقي والقانوني العام، تشكلت (الثقافة) القبلية العربية تحت تأثير (المادة الوثنية) فقد عاشت معظم القبائل العربية حياة كفاف، واعتمدت تربية الماشية وسيلة لتوفير احتياجاتها المعيشية، وأقامت هذه القبائل في أقاليم محددة أو أحياء متعارف عليها من قبل الجميع، بيد ان استقلال القبيلة بإقليم أو حي لم يكن حقا مطلقا بل خضع لاعتبارات أخرى، في مقدمتها التغيرات المناخية، وتوفر المؤن الغذائية، فكانت مواسم القحط التي تصيب بعض الأحياء تدفع بسكانها إلى الانتقال إلى مناطق أخرى خاضعة لسلطة قبائل مغايرة، لتضرم بذلك حدة التوترات القائمة مختلف القبائل، أو تؤجج نار حرب طاحنة، تحترق في اتونها القبيلتان المتصارعتان وحلفاؤهما.
لقد أدت حياة البادية القاسية، في غياب (المبدأ الإيماني) الذي يسمح ويحرض على التعاون بين الجميع، إلى استباحة العدوان على الآخرين، فكانت القبائل التي تتعرض إلى ضيق في الغذاء والثروة، تغير على قبائل خارجة عن دائرة حلفها الأمني لسلب وانتهاب ما بأيدي الآخرين من المؤن والثروات، بل من النساء والذرية، وهكذا أدت هذه الممارسات إلى نشوء ثقافة تقوم على مبدأ (البقاء للأقوى) ويستطيع الدارس ان يلمس (تجليات) هذه الثقافة في الشعر العربي الجاهلي، الذي حفظ لنا طرفا من أخلاقيات وتقاليد عرب الجاهلية، فمثلا تتجلى النزعة العدوانية في الثقافة الوثنية العربية في شعر «عمرو بن كلثوم» حين يقول:
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا بغاة ظالمينا وما ظلمنا وكنا سنبدأ ظالمينا |
ويتكرر المعنى نفسه في شعر «زهير بن أبي سلمى» الذي عرف في التاريخ العربي بأنه «حكيم العرب» قبل الإسلام، حيث يقول مدللا على غياب العدل وسيادة العدوان والظلم:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم |
وهكذا رسخت ممارسات السلب والعدوان، المادية الفردية للعربي الجاهلي وكرست الثقافة المادية الفردية بدورها حالة التجزئة والتمزق السياسي فبقيت القبيلة هي الوحدة السياسية الرئيسية التي يلوذ بحماها الفرد..»
|