نشرت جريدة «الجزيرة» في عددها 10778 وتاريخ 19/1/1423ه خبرا عما صدر من دراسة طبية تؤكِّد انه من المتوقع ان تتم سعودة الكوادر الطبية والفنية من أطباء وصيادلة وفنيين وممرضين بعد 66 سنة، مشيرة الدراسة إلى ان عملية السعودة في هذا المجال تحتاج إلى فترة طويلة خاصة بالكوادر الطبية منها، أما الوظائف الإدارية فأشارت الدراسة إلى انه سيتم سعودتها خلال الخمس السنوات القادمة.
عند قراءة عنوان هذا المقال، ربما يندهش القارئ الكريم من الفترة الزمنية الطويلة جداً، التي سوف يتحقق من خلالها اكتفاء ذاتي للكوادر الطبية في بلادنا، ولكن قد يكون أكثر استغرابا أو تألماً، إذا ما زادت هذه المدة إلى النصف أو الضعف أيضاً، لأن الدراسة ولو انني لم أقرأها بعد، إذا لم تأخذ في الحسبان بعض المعوقات المالية والتنظيمية التي تطرأ من وقت لآخر، والتي تكون سبباً رئيسياً في مد تلك الفترة التي أتت بها الدراسة، لأن تلك المعوقات هي التي أضحت عائقاً في وقتنا الراهن في جعل مثل هذا الرقم تأتي به مثل هذه الدراسة وغيرها في مجالات أخرى، والذي مؤداها تدني أعداد المقبولين في كليات الطب التابعة لبعض الجامعات السعودية وكذا في الكليات والمعاهد الصحية التابعة لوزارة الصحة، في ظل زيادة أعداد الراغبين في الالتحاق بهذه المؤسسات العلمية بشكل سنوي، وسبب آخر أدى إلى ندرة توافر الكوادر الطبية في البلاد وهو توقف أو ندرة ابتعاث حملة الشهادة الثانوية للدراسة في الخارج للحصول على شهادات البكالوريوس في المجالات الطبية، وإذا تأملنا النسبة العامة من التخصصات العلمية والأدبية التي تخرِّجها الجامعات السعودية نجد ان نصيب خريجي كليات الطب لا يتجاوز 2% أو 3% على الأكثر، وهذا ما أكده التقرير الصادر من وزارة التعليم العالي في العام الماضي عن أعداد الخريجين والنسبة المئوية لكل تخصص من كافة الكليات في الجامعات الثماني التابعة لها، ولا يفترض ان يلقى اللوم جزافاً على وزارة التعليم العالي في تحمل مسؤولية عدم التوسع في افتتاح كليات طب وصيدلة وأسنان، وكذا عن أعداد المقبولين في تلك الكليات الذي أضحى مع الأسف الشديد لا يتجاوز في الجامعة الواحدة أعداد طلاب خمس مدارس ثانوية من حملة الشهادة الثانوية من بين عشرات المدارس الثانوية في المدينة الواحدة كالرياض مثلاً، فهناك جهات عديدة تشارك في هذه المسؤولية، منها وزارة المعارف التي تعد مسؤولة عن المستوى المتدني لبعض الطلاب في تحصيلهم العلمي إبان الدراسة في المدارس الثانوية خصوصاً في مادة اللغة الإنجليزية، التي تعتبر شرطا أساسياً في قبول الطلاب بكليات الطب، وكذا قلة الدعم المالي من لدن وزارة المالية والاقتصاد الوطني للتوسع في فتح كليات للطب والأسنان والصيدلة بأعداد تتناسب واحتياجات الوطن المتزايدة للخدمات الصحية، وأمام الزيادة المطردة في استقدام العمالة الطبية الوافدة، الذي من المفترض توجيه الاعتمادات المالية المرصودة لها إلى التوسع في افتتاح كليات ومراكز طبية، إلا ان بالمقابل هناك لوم يقع على عاتق وزارة التعليم العالي أيضاً، وهو انه من الواجب عليها أن تسعى إلى عدم التوسع في فتح أقسام علمية أو أدبية أخرى على حساب عدم التوسع في إنشاء كليات طب أو أسنان أو صيدلة، مع السعي إلى إغلاق الأقسام العلمية أو الأدبية التي لا يحتاجها سوق العمل أو الخدمة الوطنية عامة والمضي قدما للتوسع في افتتاح اقسام طبية اخرى في كلياتها الطبية القائمة، كما انه ليس من المفترض او المنطقي ان تشدد إجراءات المقابلة الشخصية التي تجرى لتحقيق قبول الطلبة الراغبين في دراسة الطب إلا بالقدر المطلوب للقبول، وألا يكون من محددات المقابلة الشخصية ما يفوق الفكر والمقدرة العلمية للمتقدمين، فتلك أمور واجب أخذ الاعتبار حيالها، وهناك تجربة مرت على بعض الطلبة بهذا الخصوص ونشرتها جريدة «الجزيرة» في عددها رقم 10506 بتاريخ 13/4/1422ه وكان لهذه الزاوية تعليقاً ورأياً حيال ذلك بتاريخ 16/5/1422ه، وبهذا نود القول ان ذلك الرقم الذي أتت به تلك الدراسة فإن الواقعية تكاد تكون قريبة منه جداً ان لم تكن المدة أكثر من ذلك كما ذكرنا، وذلك إذا ما استمر الحال على ما هو عليه، الكامن في عدم فتح كليات جديدة وكذا أقسام طبية حديثة، وصعوبة إجراءات المقابلة الشخصية عند القبول في كليات الطب عامة، فلا بد من ايجاد إستراتيجية موحدة من الجميع، مسؤولي مؤسسات التعليم، والجهات الحكومية المنادية بسعودة الوظائف، ولا شك ان هناك تنظيماً وتنسيقاً ملحوظاً خصوصاً ان مجلس التعليم العالي يضم في جنباته وزراء من كافة الجهات المعنية بالتعليم وسوق العمل، لكننا نلحظ ان وتيرة هذا الإنجاز والتنسيق لهما يسيران وفق آلية بطيئة جداً، مع تزايد أعداد خريجي المدارس الثانوية الراغبين منهم في الالتحاق بكليات الطب والصيدلة والأسنان، وخصوصاً الحاصلين منهم على نسبة تفوق ال90% ولم تتحقق لهم أمنياتهم، خدمة ومنفعة لوطننا الغالي.
باحث في الشؤون العمالية |