* واشنطن أ ش أ:
بعد فشل مهمة وزير الخارجية الأمريكى كولين باول تعكف الادارة الأمريكية على دراسة خيارات متعددة لاستراتيجية جديدة واضحة المعالم وأكثر شمولية للخروج من المأزق الأمني الراهن على الساحة الفلسطينية /الاسرائيلية ووضع أسس تسوية سياسية يتم التفاوض حولها جنبا إلى جنب مع تنفيذ خطوات لوقف اطلاق النار يمكن الحفاظ عليه لفترة طويلة.
وعلى الرغم من عدم التوصل إلى قرار نهائي في هذا الشأن يدور الحديث داخل جنبات الادارة الأمريكية حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل الاعتماد على التقرير الذي وضعته لجنة تقصي الحقائق برئاسة السيناتور السابق جورج ميتشيل والخطة الأمنية التي قدمها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت العام الماضي.
وقد مثل تقرير ميتشيل وخطة تينيت الأساس المعلن للتحرك الأمريكي في الشرق الأوسط منذ تولى جورج بوش الرئاسة في يناير من العام الماضي غير أنه ثبت عدم نجاح الخطة والتقرير في احراز نتائج ايجابية وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي حول عدم الالتزام بشق معين في الخطة أو تجاهل التقرير.
ويأتي التفكير الأمريكي في سياسة جديدة وواضحة المعالم للخروج من المأزق الراهن بعد حملة من الانتقادات التى تعرضت لها ادارة بوش بسبب ما وصف بتخبطها وعدم وضوح الرؤية لديها في التعامل مع الأزمة التي تصاعدت موخرا بعد اعادة الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية التي يطلق عليها مناطق (أ).
وتستند التكهنات بامكانية تجاوز ميتشيل وتينيت على عدة شواهد رصدها المراقبون أهمها اشارة الرئيس الأمريكي إلى الخطة والتقرير بصيغة الماضى قبيل اللقاء الذي عقده مع وزير الخارجية باول فور عودته إلى واشنطن يوم الخميس. ولم يشر بوش إلى التقرير والخطة عند الحديث عن الخطوات المستقبلية لحل الصراع الذي دخل أسوأ مراحله منذ سنوات عديدة وشهد استخدام للقوة غير مسبوق من قبل اسرائيل. كما لم يشر باول إلى الخطة والتقرير منذ عودته الى واشنطن.
ومن غير المستبعد أن تبقي الادارة الأمريكية على تقرير ميتشيل وخطة تينيت كأساس لتحركها المستقبلي في الشرق الأوسط مع اضافة عناصر أخرى تؤدي إلى المزيد من الأمل خاصة للجانب الفلسطيني الذي يشكو قادته من عدم وجود ضوء في نهاية النفق يدعو أبناء الشعب الفلسطينى إلى التخلي عن المقاومة.
وقد شهدت الأسابيع والأشهر الماضية حالة من الفشل الدبلوماسي الأمريكي في التعامل مع الأزمة وسط تصاعد الانتقادات من مؤيدي الحزب الديمقراطي بأن تدخل باول جاء متأخرا للغاية وأنه لم يحصل على المساندة الضرورية من البيت الأبيض ولم يحمل استراتيجية أمريكية محددة للأطراف المعنية.
وقبل فشل جولة باول لم تفلح محاولات أخرى للخروج من المأزق الراهن بداية من خطة تينيت التي وضعت في ظل الادارة الحالية إلى حديث بوش عن الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة إلى ماوصف بالرؤية التي أعلنها باول إلى جولة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني بالمنطقة قبيل القمة العربية التي تبنت بالاجماع المبادرة السعودية.
وقد تزامن التخبط الأمريكي في مستنقع الشرق الأوسط مع الاخفاق الدبلوماسي في التعامل مع الانقلاب قصير الأجل في فنزويلا الذى اشتبه في مشاركة واشنطن في تشجيعه. واستغل الديمقراطيون تلك التطورات لتوجيه السهام إلى السياسة الخارجية لادارة بوش لمحاولة التشويش على الشعبية التي حققها الرئيس الأمريكي في الأشهر الماضية منذ تعرض نيويورك وواشنطن لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.
ولم تقتصر الانتقادات على التخبط الدبلوماسي فقط بل امتدت إلى اللهجة أو اللغة التي يستخدمها بوش حيث أشار المتابعون للألفاظ التي يستخدمها الرئيس الأمريكي على أنه غير مدرك لوجود فارق بين اللغة المناسبة لما يسمى بالحرب ضد الإرهاب ومنظمة القاعدة واللغة المناسبة لصراع ذي حساسية شديدة مثل الصراع في الشرق الأوسط الذي يشمل جوانب دينية وتاريخية ووطنية قد يتسبب لفظ واحد في اشعالها وتوجيه انتقادات لاذعة إلى بوش.
ومن أهم الأسباب التي تدفع الادارة الأمريكية إلى النظر جديا في سياسة ثابتة وواضحة المعالم حيال الموقف الأمني والسياسي على الساحة الفلسطينية/ الاسرائيلية رغبة واشنطن في الحفاظ على ما يسمى
بالتحالف الدولي والاقليمي ضد الإرهاب.
وقد تزايدت الأصوات داخل وخارج الادارة الأمريكية في غضون الأيام القليلة الماضية حول الآثار السلبية التي قد تتعرض لها المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط في حالة استمرار التدهور الأمنى مع التركيز بصفة خاصة على الضرر المؤكد فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية/العربية في ظل الغضب العربي من سياسة ادارة بوش.
وقد سعت الادارة الأمريكية إلى دفع الدول العربية إلى تبني سياسات أو مواقف بشأن المقاومة الفلسطينية وما يسمى بالإرهاب من خلال مشاورات باول المغلقة في العواصم العربية وتصريحات بوش المتكررة بشأن مسئوليات الدول العربية. غير أن الطرف العربي شدد على أنه لن يقدم أي شيء قبل انسحاب اسرائيل من الضفة الغربية.
وبعد الاستماع إلى باول أدرك البيت الأبيض أنه لم يعد من المفيد انتظار أي خطوات من الجانب العربي قبل اعلان واشنطن استراتيجية محددة تعيد بعض المصداقية المفقودة في الدور الأمريكي وتشير إلى امكانية الضغط الأمريكي على إسرائيل.
وتعلم الادارة الأمريكية أيضا أن مسألة توجيه ضربة عسكرية إلى العراق أو الحصول على أي دعم عربي للاطاحة بالرئيس العراقي ستظل أمرا مستحيلا أو غير مطروح على الاطلاق مادام الموقف على ما هو عليه على الساحة الفلسطينية/ الاسرائيلية.
ومن المنتظر أن تشهد الأيام القليلة القادمة مشاورات مكثفة بين الرئيس الأمريكي وكبار مساعديه وكامل أعضاء مجلس الأمن القومي لاعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية حيال الوضع في الشرق الأوسط ودراسة الخطوات قصيرة الأجل مثل تقديم مساعدات انسانية للفلسطينيين لاعادة بناء المدن والقرى ومخيمات اللاجئين التي دمرتها القوات الاسرائيلية في غزوها الذي لم ينته حتى الآن في الضفة الغربية ربما في محاولة يائسة للتخفيف من الاستياء الشعبي ضد أمريكا في العالم العربي مؤخرا.
|