Monday 22nd April,200210798العددالأثنين 9 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

تقوم بالتعقب المستمر لأعضاء القاعدة وطالبان تقوم بالتعقب المستمر لأعضاء القاعدة وطالبان
آفاق نجاح القوات الخاصة الأمريكية في إعادة الأمن والاستقرار لأفغانستان

  * أفغانستان خدمة الجزيرة الصحفية:
من طاولة في بناية في غرفة مطعم في حيرات في شارع بيركاشارينو تستطيع أن ترى المستقبل، لا، بل مستقبيلين، توجد في مطعم حيرات ثلاثة صفوف من المناضد التي غطيت أسطحها بالفورمايكا، وشواء الكباب في الخارج يرسل بين حين وآخر دفعات من الدخان المحمل بنكهته إلى غرفة المطعم، وثمة جهاز تلفزيون تصدح فيه الموسيقى الباكستانية والأفغانية من شريط للفيديو، وتزين أكداس من سجائر باين لايت الكاونتر، أسباب الراحة هذه لم تكن موجودة قبل ستة أشهر.
«تذوق الخبرة الأمريكية» كتب على العلب، وقد خاب أمل مترجمي حين علم أنها ليست من أمريكا، منذ اجتياح طالبان وحيرات تعج بالزبائن الذين بدوا وكأنهم من بقايا مشهد في فيلم «حرب النجوم»، ولكن لو نظر أحد بتمعن إلى تلك المجموعة من الزبائن لبدوا مثل ورق شاي بشري: هناك ديبلوماسيون، ومسؤولون أمريكيون وعاملون في منظمات غير حكومية ومعهم نظراؤهم الأفغان يعملون على إعادة بناء بنية تحتية دمرتها 23 سنة من الحرب، إنهم يمثلون المستقبل المشرق الذي يمكن لأفغانستان أن تحصل عليه.
وهناك الشبان من رتب وولاءات غير محددة، يحملون بنادق الكلاشنيكوف، وهي نذير بفوضى عنيفة في الانتظار إذا فشلت المجموعة الأولى.
أخيرا هناك الأمريكيون الشباب الذين يرتدون معاطف «غور تكس» وأحذية نايكو الذين يقولون بغموض انهم «مهندسون» أتوا للمساعدة في إعادة البناء، بعضهم في الواقع جنود يعملون في الطرقات وما شابه ذلك، وكثيرون منهم على أي حال، لا يضعون لوحات معدنية على سياراتهم من نوع تويوتا لاند كروزر الأمريكية الخاصة بقوات «العمليات الخاصة».
وهذا القسم من جمهور حيرات قد يقرر أي مستقبل ينتظر أفغانستان حقا، بعبارات عسكرية، فإن القوات الخاصة عبارة عن قصة هائلة غير مروية عن المجهود الحربي الأمريكي، فبالتعاون الوثيق مع القوات الجوية الأمريكية قلبت القوات الخاصة للجيش نظاما قمعيا وجعلت طالبان وحلفاءها في القاعدة يفرون.
لاشك في أن فرق القبعات الخضر التابعة للجيش، والفقمة التابعة للبحرية، وقادة التدريبات الخاصة التابعة للقوات الجوية وضباط التقدم الجويين و«قوة دلتا» الغامضة ووحدات مماثلة تابعة لثماني دول مختلفة واجهت المخاطر وحققت أعظم الأهداف، وهي في المركز من عمليات التعقب المستمرة لأعضاء القاعدة وطالبان.
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هو: هل ما زالت هذه الوحدات من القوات الخاصة التابعة للجيش، والأهمية القصوى التي أسبغت على مهماتها، ما زالت تخدم الأهداف العليا للولايات المتحدة الأمريكية أو لأفغانستان؟
ثلاثة أسابيع من السفر عبر هذا البلد المعقد المضطرب جعلتني أتساءل عما إذا كان صانعو السياسة الأمريكيون يركزون على الاتجاه الخطأ ويهملون ما هو أكثر أهمية ألا وهو التأكد من أن أفغانستان لن تعود ثانية مأوى لللإرهابيين الدوليين.
إحدى المشاكل هي أنه بعد قلب حكم طالبان بدا وكأن الهالة الشبيهة بهالة جيمس بوند التي تحيط بمن يقومون بمهمات خاصة قد أوصلت الرسالة الخطأ، فبالعودة إلى العمليات الخاصة في البوسنة والهرسك والصومال في التسعينيات، تكونت لدى هذه القوات عقيدة عدم وجود قواعد، فأفراد هذه القوات استغنت عن الزي الخاص بها وأطلقوا لحاهم وشعورهم الطويلة، ويرى قادتهم أن هذه التغيرات في الثقافة العسكرية التقليدية قد ساعدت أفراد القوات الخاصة على القيام بمهماتهم في فوضى عالم ما بعد الحرب الباردة، وقد يكونون على حق من منظور عسكري، غير أنه في أرض يسيطر عليها نظام إقطاعي وتتسم بالعناد فإن ثقافة القوات الخاصة تقدم صورة معاكسة تماما لمجتمع منظم بحسب الأصول، والأمريكيون يحتاجون إلى الترويج، ثم ألا تغذي هذه المظاهر الشفافة الآن أصحاب نظرية المؤامرة الذين يزعمون أن هناك أيد أمريكية وراء محاولات السيطرة أو إبقاء طرف معين في السلطة؟
أليس أكثر عقلانية، أن يرتدي الجنود الأمريكيون البزات الرسمية ويظهرون موقفا أمريكيا مهنيا، في جميع المواقع العسكرية ما عدا الحساس منها؟
خذ مثلا القوات الدولية للمساعدة في الحماية الأمنية التابعة للأمم المتحدة، وقوات حفظ السلام التي يهيمن عليها البريطانيون وأروبيون آخرون، وليس بينهم أمريكيون، فالقوات المذكورة تقوم بجولاتها في شوارع كابول بأزيائها الرسمية في سيارات تحمل علامات واضحة، وهي بذلك تزرع الثقة والأمن بمساعدتهم في فرض حظر التجول من الساعة العاشرة مساء وحتى الرابعة صباحا.
بخلاف هذه القوات، فإن أحدا لا يرى كثيرا من الجنود الأجانب يرتدون بزات رسمية في أي مكان آخر في أفغانستان، والجنود الأمريكيون الذين يبلغ عددهم خمسة آلاف أو نحو ذلك من الفرقة العاشرة ومن الفرقة 101 المحمولة جوا، وجنود المارينز والعاملين في مجال الدعم اللوجستي هي في معظمها قوات محصنة في مواقعها، وهي تتنقل بالمروحيات وتختلط بالقوات الأفغانية الحليفة وليس بالمدنيين المحليين، وخلف هذه الصورة يخلق التركيز المستمر على قادة القوات الخاصة مشاكل أخرى، فقد وجهت لهم بعض التقارير الصحفية سواء كانت دقيقة أم لا اللوم على سلسلة من الأخطاء التي تهدد بالتعمية على إنجازاتهم، الهجوم الذي تعرضت له قافلة خارج خوست في العشرين من ديسمبر، والذي قيل إن بعض الشيوخ القبليين قتلوا فيه بينما كانوا في طريقهم لتهنئة حميد كارزاي.
والهجوم الذي تعرض له وادي «هزار قدم» في الرابع والعشرين من يناير والذي قتل فيه نحو 16 شخصا، تعترف وزارة الدفاع اليوم بأنها لم تكن من صنع القاعدة أو طالبان، والصواريخ الموجهة التي أطلقت في الرابع من فبراير بالقرب من ظواركيلي، والتي يبدو أنها أسفرت عن قتل ثلاثة من العاملين في جمع الحديد الخردة، على الرغم من أن البنتاغون ما زال يقول إنهم لم يكونوا ابرياء، المسألة هنا، ليست إدانة قادة القوات الخاصة باعتبارهم رعاة بقر لامبالين، فبالقياس إلى الدمار الذي شهدته أفغانستان خلال العقدين الماضيين، فإن هذه الحوادث تعتبر متواضعة، وإلى درجة ما قد تكون ثمارا لا يمكن تجنبها في جهد مستمر لاجتثاث القوى المعادية، وفي النهاية، فإن طالبان مازالت موجودة، وهناك عشرات الألوف من أعضائها ذابوا في المجتمع.
كما أن قدرة طالبان القتالية، وتعصبها المعادي للتكنولوجيا، وحربها لمدة خمس سنوات ضد التحالف الشمالي وغيرهم من أعداء طالبان، وذلك بعد عشر سنوات من القتال ضد الاحتلال السوفياتي قد ألحق دمارا يجعل من التأثيرات السلبية للأعمال الأمريكية أشياء تافهة، ولكن كل ذلك كان في الماضي، فما يحدد المستقبل هو ما يحدث الآن، لم يكن الرئيس بوش أبدا مرتاحا لقضية «بناء أمة»، وقد أوضح الجنرال توميفرانك، أن مهمة الأمريكيين هي الوصول إلى تنظيم القاعدة وحلفائها وليس أكثر، وبكثير من الإنصاف فإن بناء أمة بمعنى تحويل افغانستان إلى بلد عصري على الطراز الغربي أمر يكاد يكون مستحيلا، فمن قرى في «شمالي شريف»، إلى مدن كابول وقندهار ومزار الشريف، ينتشر الدمار الذي خلفته الحرب في كل مكان، فالصراع بالأسلوب القديم وبتكنولوجيا غير متطورة يخلق دمارا أكثر بدائية وأوسع مما تفعله الأسلحة «الذكية».
ولقد أضافت الطبيعة الكثير من الدمار، وكذلك الشعب اليائس، فالأنهار جفت من مواسم المحل، والأشجار قطعت للتدفئة، وتوقفت الزراعة المنظمة، وما تبقى سكان هائمون مشردون، يجاهدون لمواجهة احتياجاتهم الأساسية.
في هذه اللحظة الفاصلة بين النصر العسكري وما يأتي بعد ذلك، تحتاج الولايات المتحدة أن تفكر بوضوح أكبر بأن ما تفعله الآن قد لا يحقق نتائج دائمة، يتبع الجنود الأمريكيون العاملون في إعادة البناء تقليدا يعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية في كل من اليابان وألمانيا، وهو تقليد جدير بالثناء وباعث على الضحك في الوقت نفسه إذا ما طبقناه على أفغانستان اليوم، فهو لايقوم على أي من الأسس التكنولوجية أو الاجتماعية التي مكنت أوروبا واليابان من النهوض من الرماد، والتزامات الولايات المتحدة هنا غير أكيدة في أفضل الأحوال، الجنود المشاركون في عملية إعادة البناء يقومون بأعمال جيدة، ولكن جهودهم تبدو باهتة مقارنة بتلك التي يقوم بها عدد كبير من المنظمات غير الحكومية العاملة في أفغانستان، فقد كانت هذه المنظمات في افغانستان قبل قدوم الأمريكيين وهم سوف يبقون على الأرجح بعد قطع الرئيس بوش تيار المساعدات بكثير.
هذا ليس بناء أمة، بما يوحيه ذلك من تدخل في الشؤون الداخلية لبلد آخر، إنه أشبه بالقيام بعدد من الأشياء الصحيحة، وتجنب ارتكاب بعض الأخطاء، والذي يؤدي في النهاية إلى شيء مختلف، هناك شعور شائع بين العاملين في المنظمات غير الحكومية بأن الولايات المتحدة تركز عليها كثيرا لأسباب عسكرية بحتة، إنهم على حق، فعلى المدى الطويل مثلا، يبدو وضع الأسرة والمرأة في المجتمع الأفغاني أكثر أهمية لمستقبل البلاد من أي هدف عسكري، أعلم أن الرد سيكون بان «الأمن» يجب أن يتحقق أولا والجميع يوافقون على أن القوات الأجنبية على الأرض غير كافية لفرض حالة من الأمن، ومن غير المحتمل في ما يبدو أن يأتي مزيد من الجنود الأمريكيين، ولا تستطيع القوات الخاصة القيام بالمهمة، لذا حين يتعلق الأمر بالأمن فإنه يبدو أن هناك ثغرة في سياسة الولايات المتحدة، في غضون ذلك، تبقى «القوات الخاصة» التي اتخذت موقعها في أنحاء افغانستان جميعا في المدن وفي المواقع الاستراتيجية مثل سد كاجاك إلى الشمال من قندهار على أهبة الاستعداد للرد على الأنباء التي يأتي بها المخبرون عن تحركات متمردي القاعدة وطالبان.
إن هؤلاء هم عيون الأمريكيين وآذانهم، ولكنهم يعتمدون على القادة المحليين والحكومات التي لديها مصالحها الخاصة، والتي تمتلك سلطة مؤقتة وربما عابرة، قد يحدث أمر سيئ، فعدم الاستقرار المحلي الزائد، وتقليص حجم القوات الخاصة وعودتها إلى موطنها بأسرع مما عادت القوات الخاصة في الصومال، كانت وراء المهمة سيئة الطالع التي أثمرت كتابا وفيلما سينمائيا تحت عنوان «فجر الصقر الاسود»، في وسط المطعم، يجلس الشبان ومعهم بنادق الكلاشنيكوف وينتظرون، وهم سوف يذهبون إلى أي طريق تهب إليها رياحهم، وهم يفهمون القوة وقليل غيرها، الخطر يأتي من أن واشنطن سوف تواصل الإيمان بأولوية تعقب الإرهابيين ووضع ثقتها في الرجال الأشداء بمعاطف «غور تكس» وأحذية نايك، على حساب التغيرات غير العسكرية، فإذا فعلت، فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تنهي «المهمة» ولكن تجد نفسها في أفغانستان من جديد قريبا تحاول اجتثاث تلامذة آخرين للتعصب.

* كريستيان ساينس مونيتور خاص

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved