كشفت زيارة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الأخيره للرئيس جورج بوش في مزرعته بولاية تكساس عن نموذج آخر للوهم السائد لدى الطبقة السياسية في بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية، فهذه النخبة تتوهم أن التحالف بين الشعبين اللذين يتحدثان الإنجليزية يمكن أن يستمر في وقت السلم، وأن الولايات المتحدة ستظل حريصة على مساعدة أقرب حليف لها وسوف تتبع وبكل امتنان الحكمة البريطانية وتتشاور مع بريطانيا بل وتدعم مكانة بريطانيا في العالم.
فعندما سئل ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في الحكومة البريطانية في إبريل عام 1944 كيف يمكن لبريطانيا الحفاظ على مكانتها في ظل النمو السريع لقوة الولايات المتحدة الأمريكية، رد بالقول: من خلال تفوقنا عليها في الخبرة والحكم.
ولكن العلاقة كانت دائما أكثر تعقيدا مما حاول البريطانيون تصويره طوال السنوات الماضية، ففي أسوأ الظروف وعندما شن انتوني إيدن حرب السويس ضد مصر عام 1956 دون التشاور مع الولايات المتحدة فإن الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت دوايت إيزنهاو سحب المساعدات الاقتصادية التي كان يقدمها لبريطانيا ببساطة.
وفي أفضل الأحوال عندما تصورت رئيسة الورزاء البريطانية مارجريت تاتشر أن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان خاضع لزعامتها فإنها اكتشفت أنه حتى الجاذبية الشخصية لم تمنع الولايات المتحدة من قبول العرض الفرنسي لأحد المشروعات الدفاعية الكبرى لأنه كان الأرخص سعرا، وعندما قرر الأمريكيون غزو جرينادا إحدى الدول الأعضاء في منظمة الكومنولث فإن أمريكا فعلت ذلك دون أن تتشاور مع بريطانيا، عندما يتعلق الأمر بمصالح حيوية لأمريكا أو عندما يكون الهدف هو التوصل إلى صيغة توافقية بين المصالح الأمريكية المتناقضة نفسها فإن فرص تأثير دبلوماسيين أجانب ستكون ضئيلة جدا.
الوهم الذي يروج له رؤساء وزراء بريطانيا على مدى سنوات بالقول انه من المفيد أن يشعر الأمريكيون أنهم ليسوا بمفردهم دائما، في المقابل تحصل بريطانيا على مجرد لمسة حانية من أمريكا تماما كما تربت على ظهر كلب يحرسك، وهذا الوهم خطير جدا عندما تقترب منطقة الشرق الأوسط من الاشتعال ويؤيد الأمريكيون وبشكل واسع الموقف الإسرائيلي، فالأصوليون المسيحيون والمسيطرون تقريبا على الحزب الجمهوري الحاكم حاليا في أمريكا يرون أنه يجب دعم شارون، والمحافظون الجدد في أمريكا يعتقدون أن إسرائيل حليف استراتيجي لأمريكا ضد الحركات المسلحة الكارهة لأمريكا، ويعتقد آخرون أن شارون يواجه نفس موقف بوش وأن منفذي العمليات الاستشهادية في فلسطين لا يختلفون عن منفذي الهجمات الإرهابية ضد نيويورك وواشنطن في الحادي عشرمن سبتمبر.
وقد قام وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بمحاولة وساطة في الشرق الأوسط ولكنه واجه الرفض من جانب كل من العرب والإسرائيليين على حد السواء، فالسلام يمكن أن يتحقق من خلال حل وسط يتم فرضه على الجانبين، والواضح أن العمليات الاستشهادية لن تتوقف مادامت إسرائيل تحتل الضفة الغربية وقطاع غزة، تماما، كما قاوم الفرنسيون الاحتلال الألماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.
وقد حذر أحد ممثلي بريطانيا في الأمم المتحدة من أن الحرب القادمة ستبدأ في الشرق الأوسط وستقوم إسرائيل بجر الولايات المتحدة إلى جانبها ضد العرب في هذه الحرب، وإذا كان المتوقع أن ينتصر الصقور في الإدارة الأمريكية وتهاجم أمريكا العراق العام القادم فقد تتحق هذه النبؤة. ومن خلال استمرار هذا المخطط يكتشف توني بلير غياب أي تأثير له وعزله لنفسه في أوروبا وتعريض بلاده للخطر وتقسيم حزبه وكتابة شهادة وفاته سياسيا.
* ممثل المفوضية الأوربية في واشنطن سابقا (هيرالد تريبيون ) الأمريكية
كيف يفكر الإسرائيليون
|