نحن الآن في شهر ابريل، وفي موسمه يأتي الربيع، الفصل المعتدل بين الشتاء والصيف، فيه تتفتح الزهور، وتغرد الطيور.. وعند البشر يكثر الكذب، الذي يروع به الناس بعضهم بعضاً.
وهو عندنا معاشر المسلمين، شهر من شهور السنة، وأيامه من الأيام المعتادة، بل إننا لا نتقيد بهذا المسمى، لأن لنا شهوراً عربية إسلامية، ترتبط بالمواسم الشرعية للعبادات.
أما شهر أبريل خاصة، فهو عند بعض أمم الأرض، التي لا تدين بالاسلام له مفهوم آخر، انبعث عن ذلك الكذب فيه، وقلدهم فيه بعض المسلمين من المنبهرين بالغرب، والمقلدين لهم في كثير من الأمور، وبدون روية..
ولو سألت واحداً منهم عما تعنيه كذبة ابريل، التي يحرص على اشاعتها في المجتمع، لقال: إنما هي مزحة أو مقلب نتسلى به، أو غير ذلك مما يعلل به اتجاهه هذا..
وديننا الاسلامي ينهانا عن الكذب، حتى ولو كان مزاحاً، أو على الأطفال والحيوانات.. فكيف يُستمرَأ على البشر مثلنا.. بل قد يكون في ذلك ترويع أو ضرر.. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، وإخافته. وما ذلك إلا أن كذبة أبريل، عادةٌ قد نشأت في بلاد الغرب، من منطلق يرتبط تاريخياً وعقديا بهذا الشهر، الذي هو من أشهر الرومان، وهو الرابع من السنة الشمسية عندهم.
وإن كثيراً من مفكري الغرب، الذين تمردوا على دينهم، وتحولوا للمادية، والوجودية، وغيرها من المعتقدات وتحامل بعضهم على رجال الكنيسة، وما يفرضونه على المجتمع عندهم من أمور، فضلاً عن تشكيك بعضهم في صحة الديانة النصرانية التي هم عليها الآن، لمخالفتها لما يمليه العقل، وما تتطلبه الحياة الحاضرة المقترنة بماديات العلم، ونتائج المختبرات والبحوث.
وصراع المفكرين، الذين لا يجدون ما يلبي رغباتهم، أو يجيب على أسئلتهم الملحة، مع رجال الدين عندهم يتسم بالكذب، ليؤصل ما قصد إليه.. وبكل أسف يريدون جذب المسلمين لمنحدرهم، ليكونوا مثلهم، والمسلم له دين يريح قلبه، وفي تعاليمه ما يتغلب بها على كل مشكلة.. قال سبحانه:{وّلّن تّرًضّى" عّنكّ پًيّهٍودٍ وّلا پنَّصّارّى" حّتَّى" تّتَّبٌعّ مٌلَّتّهٍمً}. يوضح هذا المنحى عندهم، مؤرخهم الكبير بول ديورانت، في قوله عن هيرود الأكبر:كانت أخلاقه مثالاً من أخلاق عصره الذي أنجب كثيراً من الرجال، الذين كانوا أذكياء، لا خلاق لهم، قادرين لا ضمير لهم، متحدثين لا صدق عندهم، شجعاناً مجردين من الشرف، فلقد كانوا صورة مصغرة من أغسطس في بلاد اليهود «قصة الحضارة 11164».
ولا نعجب إذا رأينا اليهود لا عهود لهم ولا مواثيق، ويتعمدون الكذب في سياستهم وتعاملهم، فقد كانت أسس الصراع، بين اليهودية والنصرانية، ورجال الدين فيهما، تنطلق من الكذب، كقاعدة راسخة في التعامل، الذي تتحقق به مصالحهم.
وقد توسع بول ديورانت في كتابه: قصة الحضارة، في الأجزاء المخصصة لعصر الايمان، عندما تناول الصراع بين اليهود والنصارى وقيصر المسيح، حيث ابان كما ابان غيره: ان كبار رجال الكنيسة عرف عنهم الكذب على الناس، وان واحداً من اكبرهم، اراد ان يبرر لأكاذيبه لما كثرت واكتشفت قائلاً: إننا في شهر أبريل، وفيه تبتهج الحيوانات والطيور، بالطريقة الخاصّة بها، ونحن البشر علينا ان نعبّر عن انفسنا بهذا الاسلوب، الذي يعتبر من الكذب الأبيض (11 165).
ومن هنا ندرك شيئاً من ابعاد كذبة ابريل، وان هذا التقسيم للكذب بألوانه بدأ يسري في ديار المسلمين كما سرت عادات كثيرة، وردت من إفرازات تلك الأمم،
ونموذج آخر يوضح ابعاد كذبة ابريل، ان الرومان يجرون احتفالات دينيّة، كما قال ديورانت، يتباكون فيها، حزناً على موت بعض الآلهة، حسب معتقدهم لعدة ايام ثم تضجّ أسواقهم بعد ذلك، بأصوات الفرح، ببعث مايؤلهون من قبره، وأن ماقيل عن موته، ماهو إلاّ كذب، يتم في ذلك العيد الربيعي في ابريل «قصة الحضارة 11 146 163 وبذلك نماذج عديدة من حكايات الكذب عندهم». وقصص الكذب المستقاة من كذبة ابريل كثيرة، نكتفي بواحدة منها، حيث يجدونها للكذب على الله سبحانه كما هي عادتهم.
يقول الخزرجي في كتابه: مقاطع الصلبان: من مشاهدهم المنظمة عندهم، التي يعملونها في ابريل: أن يد الله تخرج لهم في يوم واحد من السنة، من وراء ستر يرونها عياناً، فحكى ان رجلاً ممن أبغض النصرانية، ودخل ديناً آخر، وكان قد حظي عند بعض نصارى الاندلس وعظمائهم، فرغب ذلك الرئيس ان يعيد صاحبه للنصرانية، ورغّبه فيها قائلاً: ألا ترى إلى هذه الكرامة التي خصّ الله بها النصارى من دون البشر، حيث يظهر يده لنا في يوم معلوم من الشهر، وفي شهر الربيع.
فقال الرجل لهذا الرئيس: قد رضيت في هذا بشهادتك، فإن كان مايزعم هؤلاء القسيسون حقاً، فسوف اعود الى دينك، فخالط الرئيس الشكّ.. فكلما دنا ذلك اليوم، الذي تظهر فيه اليد، سافر بنفسه نحو المشهد، وقرّب مالا يهديه، فبدر إليه القساوسة والأساقفه، وقربوه لتقبيل اليد.. فلما ظهرت له من وراء الستر، وضع يده فيها وأمسكها بشدّة، فصاحوا يقولون: اتق الله، الآن تخسف الأرض بك، الآن تقع عليك السماء، الآن ترسل عليك الصواعق..
فقال: دعوا عنكم هذا، فإن هذه اليد، لا أحلّ يدي عنها، حتى أعلم أحقاً ما تصنعون ام باطلاً؟ فلما رأوا إلحاحه، لم يبق منهم إلا اثنان، وهرب الباقون.. فحاولا اقناعه، ولكنه أصرّ وهو متمسك بهذه اليد حتى يعرف السرّ.. فلما كشفوا الستر، رأى قسيساً مجرود الخدين، موقوفاً وراء الستر، فلما رآه، أرسل يده، وعرف اسلوبهم في الكذب «مقاطع الصلبان ص173».
فهل يدرك شبّان المسلمين، منهجهم في الكذب، ليترك تقليدهم، ويعي جيداً منهج الإسلام في تحريم الكذب، ومن ذلك كذبة ابريل، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جعل الكذب واحدة من علامات النفاق، وان الذين بدأوا في إشاعة الكذب في الأمة الإسلامية، هم اليهود في المدينة، ومن يناصرهم رغبة في اضعاف شوكة المسلمين، واسكات صوت الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربّه.
قوة الهجاء:
هجا الأحوص، رجلاً من الأنصار من بني حرام، يقال له ابن بشر، وكان كثير المال، فغضب من ذلك، وخرج حتى قدم على الفرزدق، وأهدى إليه وأكرمه، فقبل منه، فقال الفرزدق ممن أنت؟ قال: من الأنصار، قال: ما أقدمك؟ قال: جئت مستجيراً بالله، ثم بك من رجل هجاني، قال: قد أجارك الله منه، وكفاك مؤونته، فأين أنت عن الأحوص؟ قال: هو الذي هجاني.
فأطرق ساعة ثم قال: أليس هو الذي يقول:
ألا قف برسم الدار فاستنطق الرسما فقد هاج أحزاني وذكرني نُعْما |
قال: بلى. قال: والله لا أهجو رجلاً هذا شعره.
فخرج ابن بشر، فاشترى أفضل من الشراء الأول من الهدايا، فقدم بها على جرير، فأخذها منه وقال له: ما أقدمك؟ قال: جئت مستجيراً بالله، ثم بك من رجل هجاني، فقال: قد أجارك الله منه وكفاك. أين أنت عن ابن عمك الأحوص بن محمد، قال: هو الذي هجاني، فأطرق ساعة ثم قال: أليس هو الذي يقول:
تمشي بشتمي في أكاريس مالك تشيد به كالكلب إذ ينبح النجما |
قال: بلى والله، قال: فلا والله لا أهجو شاعراً هذا شعره، فاشترى أفضل من تلك الهدايا، وقدم على الأحوص، فأهداها إليه وصالحه (الأغاني 4:262).
|