لماذا يكتب الكاتب؟ في قصة للويدجي بيرانديللو، وأعتقد أن أسمها «الجوع» نلتقي بتلك المرأة المرضع التي تسافر بالقطار دون ابنها الرضيع، وكان الحليب الذي يملأ صدرها ولايجد تصريفاً قد تحول إلى عبء أثقل على المرأة حتى كاد أن يفقدها القدرة على التنفس إلى أن وجدت فتى جائعاً تطوع لأن يمتص الحليب من ثدييها ليسكت آلام الجوع. فارتاحت المرأة من عبئها وشبع الفتى. وأرى أن قوى الكلمات التي تملأ صدر الكاتب سوف تتحول إلى قوة تدمير واختناق إذا لم تجد تفريغاً. لا أدري إن كان هذا يكفي تعريفاً لملكة الكتابة ورداً على سؤال: لماذا نكتب؟ لأنني لا أريد أن أتحدث عن الإحساس بأداء رسالة في الحياة، فالكتابة هي كذلك بالنسبة لكثير من الكتاب الذين يدفعون أحياناً حياتهم ثمناً لما يكتبونه، ولكنها قبل أن تكون رسالة فهي طاقة ترغم صاحبها على أن يستجيب لقوتها الضاغطة، الدافعة، برغم كل ما يلاقي من معاناة.
بدأت الكتابة مستجيباً لتلك النداءات التي كانت تملأ الساحة الثقافية عن الواقعية وارتباط الأدب بالحياة، فكتبت قصصاً واقعية ملونة ببعض الأداء الانفعالي الذي ينتسب إلى المدارس الرومانسية. وقد كانت أغلب هذه القصص من وحي الرؤى التي اختزنتها خلال حياتي بالقرية التي أمضيت طفولتي بها. كتبتها وفاء لأهل تلك البيئة وتصويراً لكدحهم اليومي وقدرتهم على الاحتمال والمكابدة. ثم لم أعد أكتفي بالواقع، دائماً اضيف إليه شيئاً من رؤى الفن الذي يحاول أن يكتشف ما خلف الواقع من إيحاءات ورموز ودلالات، وأن تكون الكتابة حواراً مع صمت الأشياء وإعارتها لساناً تتكلم به. وسعيت في مجموعتي القصصية الأخيرة «امرأة من ضوء» إلى ترسيخ هذه الصيغة التي تتحول فيها القصة إلى كشف للأشياء التي لانراها، ويتحول فيها الفن إلى عين ثالثة ترى وتلتقط ما لا تستطيع الحواس العادية أن تهتدي إليه، إلي تلك المناطق الخفية المجهولة التي ينبض بها قلب الواقع. وإلى تلك الحياة السرية خلف الأشياء التي نراها ونسمعها. إننا غالبا ما نشعر ونحن نشاهد منظرا طبيعيا أو نلتقي بمشهد من مشاهد الحياة يثير انفعالنا أن هناك شيئا آخر أكبر مما نراه ونسمعه هو الذي صنع هذا التأثير في نفوسنا، ونسميه أحياناً «روح المكان» كتعبير عن عجزنا في وصف ذلك الشيء الغامض وصفا دقيقا، هذا «الشيء الأكبر» مما نراه ونسمعه الذي يهز مشاعرنا في لحظات التأثر والانفعال هو ما أحاول أن تكون القصة التي أكتبها تعبيرا عنه.
الكتابة مهنة وحيدة كما يقولون، وطبيعة الحياة التي يعيشها كاتب في العالم العربي غالبا ما ترغمه على أن يمنح جهده الأساسي لعمل خارج الكتابة الإبداعية وهو الذي يحقق منه رزقه.
ولذلك فإنه غالبا ما يبقي لنا الليل وقتا للكتابة بعد أن سرقوا منا النهار، حيث يقفل الواحد منا على نفسه غرفته ويضيء المصباح فوق مكتبه ويبدأ بعد أن تنام الدنيا رحلته مع هؤلاء الأشخاص الوهميين الذين يتحركون على الورق، يتحاور معهم ويتبادل النقاش معهم حول حياتهم ومصائرهم ويجعلهم تعويضا لحياة اجتماعية أخرى لا يستطيع أن يستمتع بها أو يذهب إليها وإلا ما استطاع أن يجد وقتا للكتابة. وإذا كان في ذلك شيء من الظلم فإن الكاتب يحقق انتقامه بطريقة ما، أي أنه وهو يتنفس في هذا الفضاء الورقي الأبيض يستطيع أن يستدعي كل هذه الشخصيات والنماذج التي يلتقي بها في الحياة يحاكمها، ثم يصدر قرارا بشأنها، فإما أن يكافئها ويستعير بعض ملامحها ليضع منها شخصياته الإيجابية، وإما أنه يدينها ويحقق نقمته عليها بأن يستعير ملامحها لتصوير تلك الشخصيات في قصصه التي تكون تعبيرا عن كل ما يملأ الحياة من مسخ وتشويه.
هناك كتّاب ينتهون من كتابة القصة قبل كتابتها. أي أنهم يأتون لوضعها على الورق في صيغتها النهائية. ولكن كتاباً آخرين مثلي يبدأون بالعكس، أي أنهم لا يبدأون في كتابة القصة الا بعد كتابتها الأولى. ولذلك فإنني غالباً ما أجلس لكتابة القصة قبل أن تصبح مشروعاً متمثلاً في ذهني، مجرد فكرة سديمية لا ملامح لها.
أحمد إبراهيم الفقيه كتاب أسئلة الرواية، «بتصرف» لجهاد فاضل. |