* القاهرة بيروت خدمة الجزيرة الصحفية:
بدأ قادة الدول العربية وإيران في استخدام استراتيجيات جديدة وأخرى قديمة للتعبير عن معارضتهم للولايات المتحدة الأمريكية في تأييدها لإسرائيل وذلك تحت ضغط الغضب الذي يسيطر على الشارع العربي حاليا.
يقول بهجت قرني استاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن أشد ما يقلق الدول العربية هو إدراكها أن كلاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون والرئيس الأمريكي جورج بوش يريان العالم من المنظور نفسه بصورة متزايدة وهو منظور الحرب ضد الإرهاب، في الوقت نفسه فإن هذا المنظور يعمق عزلة إسرائيل الدبلوماسية ويجعل من الصعب على أمريكا الاعتماد على حلفائها العرب في أي تحرك ضد العراق في المستقبل، وقد تأكدت المخاوف العربية الأسبوع الماضي عندما خرج الرئيس الأمريكي جورج بوش ليصف رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بأنه «رجل سلام» في الوقت الذي يعتبره القادة العرب مجرم حرب، ولكن بالنسبة إلى العراق فهو أكثر المستفيدين من التلاحم الذي تشهده المنطقة العربية حاليا لدعم الفلسطينيين، فالرئيس العراقي صدام حسين يمكن أن يكون الوحيد الذي يمكنه أن يبتسم وسط هذه الأزمة التي اجتاحت المنطقة، فقد نسفت خطط واشنطن للاطاحة به بسبب الرفض العربي لها في ظل الاجتياح الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية والدعم الأمريكي له. فعلى الرغم من اختلاف القادة العرب مع الرئيس العراقي صدام حسين، فإن الجو العام لا يسمح لهم بتأييد أي تحرك أمريكي ضده، وقد بذلت العراق جهودا كبيرة لتحسين علاقتها مع الدول العربية المجاورة لها، وفي القمة العربية التي استضافتها بيروت الشهر الماضي أعلن العراق التزامه باحترام سيادة الكويت وتعهدت الدولتان بتحسين علاقاتهما الثنائية، وفي محاولة من جانب العراق لإظهار دعمه للفلسطينيين ونكاية في الولايات المتحدة قدم ربع مليون دولار لأسر منفذي العمليات الاستشهادية في فلسطين، ويوم الجمعة الماضي تعهدت بغداد بتقديم 8.7 ملايين دولار لدعم الفلسطينيين بالإضافة إلى ستة آلاف طن من المساعدات الطبية والغذائية والتي تم توصيلها بالفعل، وفي بداية الشهر الحالي أعلن صدام حسين حظر تصدير البترول العراقي لمدة 30 يوما وهي الخطوة التي أدت إلى رفع أسعار البترول، وعلى الرغم من أن إيران وهي دولة غير عربية دعت أيضا كل الدول الإسلامية المنتجة للبترول إلى استخدام سلاح البترول لدعم القضية الفلسطينية فإنها لم تتبع العراق في خطوتها، وعلى الرغم من أن إيران واحدة من الدول الثلاث التي تمثل محور الشر من وجهة نظر الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، فإنها لعبت دورا مهما في تخفيف التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
ففي الوقت الذي كان حزب الله اللبناني يهاجم القوات الإسرائيلية في مزارع شبعا بشكل يومي طار وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي إلى بيروت وطلب من حزب الله تهدئة الأوضاع فتوقف القتال على الحدود بعد يومين فقط، وقد أثار تدخل خرازي جدلا حادا في طهران، فقد دان المتشددون الإيرانيون التحرك الإيراني في حين امتدحه المعتدلون، يقول فريد خازن استاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية ببيروت إن المعتدلين بتحركهم هذا يقولون للأمريكيين إننا نتحمل مسئولية ما يحدث في لبنان.
أما على الصعيد المصري والأردني فقد أعلنت مصر في وقت سابق من الشهر الماضي عن قطع جميع العلاقات غير الدبلوماسية مع إسرائيل.
وهددت كل من مصر والأردن باتخاذ مواقف أخرى في حالة استمرار تدهور الأوضاع، يقول الدكتور بهجت قرني أن الأمر كان سيختلف تماما لو أن أقرب حليف لإسرائيل كان أي دولة في العالم غير الولايات المتحدة الأمريكية، فالولايات المتحدة الأمريكية هي اللاعب الرئيسي في المنطقة، فأغلب الدول العربية على حد السواء أقامت ترسانتها العسكرية خلال العقود الأخيرة اعتمادا على مساعدات واشنطن، وكان الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي قد حاول تأكيد دور بلاده كأحد صناع السلام في المنطقة عندما أطلق مبادرته للسلام والتي تضمنت تطبيعا كاملا للعلاقات مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي العربية المحتلة، وقد أعربت الولايات المتحدة عن دعمها للمبادرة التي تبنتها القمة العربية في بيروت الشهر الماضي رغم رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لها.
ولكن أعنف مظاهرات مؤيدة لفلسطين في منطقة الخليج وقعت في البحرين مقر الاسطول الخامس الأمريكي، حيث شهدت العاصمة البحرينية المنامة مواجهات يومية بين المتظاهرين والشرطة أسفرت عن مقتل شخص واحد وإصابة المئات، الكثير من دول الخليج بما في ذلك الكويت والسعودية أرسلت ملايين الدولارات لمساعدة الفلسطينيين، ففي يوم الجمعة الماضي حولت سلطنة عمان 6.6 ملايين دولار إلى السلطة الفلسطينية كجزء من المساعدات التي أقرتها القمة العربية للفلسطينيين وقبل يومين فقط أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن اعتزامها بيع صواريخ وقنابل لطائرات إف16 إلى سلطنة عمان. أما بالنسبة إلى كل من سوريا وليبيا فإن هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قال إنه لا يمكن للعرب خوض حرب من دون مصر ولا يمكنهم إقامة سلام من دون سوريا، وقد ظهرت هذه الحقيقة بوضوح خلال الأسبوعين الماضيين عندما هددت هجمات حزب الله اللبناني ضد إسرائيل بإشعال حرب إقليمية في المنطقة، يقول المحلل السياسي اللبناني ميشيل يونج إنه لا يعتقد أن السوريين يحاولون فعليا تغيير توازن القوى مع إسرائيل ولكنهم سيبقون على الوضع متوترا، وسوريا تعد من الدول العربية المتشددة ولكن هذا لا يعني الكثير عندما تكون قوتها محدودة، فعلى الرغم من تأثير القلق في جارتها لبنان على اقتصادها المتعب بسبب استمرار التوتر على الحدود الجنوبية فإنه من غير المتوقع أن تنهي بيروت تبعيتها لدمشق، كان رئيس الوزراء اللبناني قد أعلن أن لبنان ستشارك سوريا في مقاطعتها لاجتماعات الاتحاد الاوروبي ومنتدى البحر المتوسط احتجاجا على حضور إسرائيل، وهذا القرار يعني أن لبنان ستعلق توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الاوروبي.
وفي المغرب العربي يمكن رصد مواقف الدول العربية هناك على النحو التالي: تونس التي تعد من الفصيل المعتدل في الدول العربية واجهت على مدى العقود الماضية حركات مسلحة وشهدت الأسبوع الماضي انفجارا بالقرب من معبديهودي أسفر عن مقتل 16 شخصا بينهم 11 ألمانيا، وتواجه تونس أيضا حملة من الغضب والتنديد بسبب موقفها من الولايات المتحدة وإسرائيل.
أما في ليبيا فإن الرئيس معمر القذافي نظم وشارك في الكثير من المظاهرات المناهضة لإسرائيل في ليبيا، وكان القذافي طوال سنوات طويلة يؤكد تأييده للفلسطينيين ومعارضته للإسرائيليين بلغة واحدة مثل «الإرهاب الصهيوني» و«الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني» وقد دعا عبدالسلام التريكي رئيس اللجنة الشعبية الليبية للوحدة الإفريقية إلى مقاطعة شاملة مع إسرائيل.
وفي الجزائر ما زالت الحكومة تواجه الهجمات من جانب الجماعات الإرهابية هناك والمستمرة منذ أوائل التسعينيات.
والمغرب ظلت دائما حليفا مهما للولايات المتحدة ووسيطا بين العرب وإسرائيل وهو الموقف نفسه الذي يقفه الملك محمدالسادس حاليا.
كريستيان ساينس مونيتور خاص |