يمكن القول إنه منذ ان سارع الرئيس ترومان في الاعتراف بدولة إسرائيل الجديدة في العام 1948، بدأت مكانة أميركا ونفوذها في الانخفاض في الشرق الأوسط، ويأتي الضعف البادي على النفوذ الأميركي والذي يدركه الأصدقاء والحلفاء في المنطقة عبر سنوات من الإهمال، فكيف حدث ذلك؟ لدى التاريخ بعض الإجابات، كانت الإدارة الأمريكية تدعم إسرائيل عن بعد، فقد كان سندها الرئيس في الخمسينات (حين جف معين دعم الكتلة السوفياتية) هي فرنسا، التي اشترت منها الأسرار والمواد المطلوبة لكي تصبح قوة نووية غير معلنة، لقد وصل التأثير المتراوح لإسرائيل على الولايات المتحدة أكثر نقاطه انخفاضا في عهد الرئيس أيزنهاور، حين ضغطت الولايات المتحدة على حليفتي إسرائيل فرنسا وبريطانيا للانسحاب من الأراضي المصرية في حربها غير الناجحة التي شنتها في العام 1956 لاحتلال قناة السويس، فقد رفض ديفيد بن غوريون وهو أحد الآباء المؤسسين لإسرائيل سحب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها في سيناء وغزة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي، لذا فإن أيزنهاور وجه تهديدا في يناير من العام 1957 للزعيم اليهودي ولجماعات الضغط المناصرة له بسحب مبيعات إسرائيل من السندات المعفاة من الضرائب وغيرها من الامتيازات الحاسمة، فما كان من السيد بن غوريون إلا أن تراجع وانسحب.
كان الاحترام للولايات المتحدة كبيرا خلال تلك الفترة، حتى في إسرائيل، لكن ذلك بدأ في الانخفاض بعد أن اختار الرئيس جونسون في العام 1967 عدم الاعتراض على هجوم إسرائيل على سفينة التجسس «ليبرتي» التابعة للبحرية الأمريكية، ولا على الهجمات الإسرائيلية الخاطفة التالية على أراضي مصر وسوريا والأردن. وقد توصل الرئيس كارتر إلى تسوية إسرائيلية مصرية بتوقيع اتفاقية للسلام في كامب ديفيد في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1973، وأصاب حظر عربي للنفط الأميركيين في مقتل بارتفاع صاروخي للأسعار، ولم ينقذ إسرائيل سوى معونة عسكرية أمريكية هائلة بعد أن وقعت تحت ضغط كبير من جانب الجيوش المصرية والسورية.
كانت مصر هي الدولة العربية الأولى التي تعترف بإسرائيل، ثم وفرت الأحداث التالية الأمل: اعتراف إسرائيل المتردد الأول بحكم ذاتي للمواطنين الفلسطينيين وتلا ذلك اتفاقية السلام التي وقعها الأردن تحت حكم الملك حسين مع إسرائيل في العام 1994، وكان هناك جهد أميركي في الحالتين، وقد تدهورت العلاقات الاميركية بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط في العام 1984، حين أرسل الرئيس ريغان أولا، قوة أمريكية لحفظ السلام في لبنان ثم عاد وسحبها، وكانت القوات الإسرائيلية في ذلك الوقت تلقت أمرا من وزير الدفاع أريئيل شارون بتدمير ياسر عرفات ومنطمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وقد انسحب الطرفان بعد وساطة أمريكية، ولكن نحو 250 من قوات البحرية الأمريكية وبعض أفضل رجال المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) قتلوا في انفجار شاحنة محملة بالمتفجرات في بيروت، بين العامين 1979 و1989 خلال فترتي حكم الرئيسين كارتر وريغان شن الرئيسان حربا لطرد السوفيات من أفغانستان، وهو ما سارع في انهيار الاتحاد السوفياتي، وتطوع الآلاف من الشبان المسلمين المعادين بلا هوادة للشيوعية للمشاركة في الحرب التي أدارتها وانتصرت فيها المخابرات المركزية الأمريكية، وهو ما أدخل السرور إلى قلوب القوى الإسلامية ما مهد لبروز القاعدة، والتي عاد بعد ذلك أعضاؤها إلى البلدان العربية لتحطيم الاستقرار في المجتمعات والأنظمة العربية، ثم للهجوم على الولايات المتحدة، وقد نما الاحترام لواشنطن لفترة قصيرة في معظم الدول العربية حين أقام الرئيس بوش في العام1991 تحالفا دوليا لوضع حد لاحتلال العراق للكويت، ولحقوله النفطية الحساسة، بعد حسم الحرب بنجاح أحيا بوش عملية السلام العربية الإسرائيلية، وقد بقي نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية متماسكا لفترة قصيرة أيضا، بعد محطة مهمة سافر فيها كاتب هذه السطور مع آخرين من رجال الصحافة في طائرة من تونس إلى واشنطن، وهناك رأينا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وهو يوقع على اتفاقية سلام مع رئيس وزراء إسرائيل إسحق رابين ووزير خارجيته شمعون بيريز في البيت الأبيض برئاسة كلينتون، واغتال يهودي متطرف إسحق رابين بعد وقت من مصافحته لعرفات واعترافه بمنظمةالتحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني، وهو اعتراف سلمه عرفات لحكومة رابين في العام 1993، وفي المقابل، اغتال المتطرفون الرئيس المصري أنور السادات في العام 1981، بعد أن وقع السادات اتفاقية سلام مع الإسرائيليين، وكانت الجريمتان ضربتين قويتين وجهتا إلى وضع الولايات المتحدة باعتبارها وسيطا لعملية سلام في الشرق الأوسط، ويواجه فريق بوش اليوم في جهوده المتأخرة للسلام، ليس عرفات وهو في أضعف حالاته فقط، إضافة إلى بقايا سلطته الفلسطينية، بل يواجه أيضا شارون المتحدي الذي يدعمه جمهور إسرائيلي ذاق مرارة العنف، إن نجاحا ديبلوماسيا أميركيا يتطلب كسب دعم واحترام المسلمين وآخرين كثيرين حول العالم، فإذا أرادت أميركا أن تصبح صانع سلام متنفذا من جديد فإن عليها أن تظهر حيادا مستمرا، وهو ما لم يظهر منها حتى الآن سوى مقدار قليل، فالأزمة والطريق إلى السلام الدائم يتطلبان إعدادا أكثر بكثير للسيد بوش، كما أنهما يحتاجان إلى شجاعة مثل تلك التي أبداها وزير الخارجية كولين باول في ديبلوماسيته المكوكية البطيئة التي نتمنى لها النجاح.
تواريخ مفصلية في الشرق الأوسط
1948 الرئيس ترومان سارع إلى الاعتراف بدولة إسرائيل الجديدة.
1956 1957 تحاول بريطانيا وفرنسا احتلال قناة السويس، وترفض إسرائيل قرار مجلس الأمن الداعي إلى انسحابها من الأراضي التي احتلتها في سيناء وغزو، والرئيس أيزنهاور يوجه تهديدا بفرض عقوبات على إسرائيل التي تسحب قواتها، وتكسب أميركا احتراما في الشرق الأوسط.
1967 حرب الأيام الستة،إسرائيل تهاجم العرب وتحتل القدس الشرقية والضفة الغربية، وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، والولايات المتحدة تمتنع عن توبيخ إسرائيل، وتوقف الكويت والعراق شحنات البترول إلى الولايات المتحدة.
1973 1979 بعد حرب جديدة في الشرق الأوسط، يلحق حظر نفطي الضرر بالمصالح الأمريكية، الرئيس المصري أنور السادات يعقد سلاما مع إسرائيل، ويرعى الرئيس كارتر تسوية تصبح بعدها مصر أول دولة عربية تعترف بإسرائيل.
1979 1981 الرئيسان كارتر وريغان يستخدمان وكلاء لطرد السوفيات من أفغانستان؛ وهو ما يقوي شوكة المتطرفين.
1981 اغتيال الرئيس أنور السادات، «1982 83 إسرائيل تغزو لبنان، وتطردمنظمة التحرير، إرهابيون يقتلون نحو 250 من رجال البحرية الأمريكية في بيروت، فيسحب ريغان القوات الأمريكية، ويبدأ مقاتلون تدعمهم إيران وسوريا حملةمن العنف ضد الاحتلال الإسرائيلي فينسحب الإسرائيليون في العام 2000.
1991 بعد حرب الخليج، الرئيس بوش الأول يحيي عملية السلام العربية الإسرائيلية.
1993 القادة الإسرائيليون والفلسطينيون يوقعون اتفاقا تاريخيا للسلام في البيت الأبيض.
1994 الأردن وإسرائيل يوقعان اتفاقية سلام برعاية أمريكية.
2000م محادثات سلام عربية إسرائيلية في كامب ديفيد الفلسطينيون يبدأون انتفاضة جديدة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
كريستيان ساينس مونيتور خدمة الجزيرة الصحفية |