Friday 26th April,200210802العددالجمعة 13 ,صفر 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

مكانة الشورى في الإسلام مكانة الشورى في الإسلام
الدكتور عبدالله الرويشد

مدح الله المسلمين بصفة من خير صفات الإنسانية ومزية من أجلِّ مزايا البشرية ومبدأ من أقدس مبادئ الديمقراطية! ألا هو مبدأ الشورى العظيم. ذلك المبدأ الذي تغنى به رجال الغرب وزعماؤهم واعتبروه مبدأ من مبادئ مدنيتهم، وحسنة من حسنات حضارتهم، ودليلاً على سمو تفكيرهم وعدالة قوانينهم. وها هو الإسلام ينادي به في غير آية من كتابه، وسمى سورة من قرآنه باسم الشورى إشارة إلى رفعة شأنها وعلو مكانها ويكفي دليلاً على سمو الشورى وقداستها في الدين الحنيف أن خير البرية صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم من الخطأ المنزه عن العيوب المرعي الملحوظ بعناية الله يأمره الله بمشورة أصحابه وبالرجوع إلى رأيهم في المشكلات والمعضلات : {فّاعًفٍ عّنًهٍمً وّاسًتّغًفٌرً لّهٍمً وّشّاوٌرًهٍمً فٌي الأّمًرٌ} بل قد أخبر الله ملائكته خلق آدم وتعمير الأرض بخليفة جديد مع أنه هو العليم بخفايا الأشياء وأسرارها، الخبير بحقيقتها وكنهها المحيط بكمّها وكيفها البصير بمبدئها ونهايتها لا تخفى عليه خافية مهما دقت ولا يعزب عنه مثقال ذرة مهما صغرت، جميع الأشياء في علمه سواء قريبها كبعيدها وكبيرها كصغيرها وظاهرها وكباطنها وهو درس لتعاون المسلمين بمبدأ الشورى {لّهٍ مّا فٌي پسَّمّوّاتٌ وّمّا فٌي الأّرًضٌ وّمّا بّيًنّهٍمّا وّمّا تّحًتّ پثَّرّى"} ومع ذلك أخبر ملائكته ليسنَّ لعباده سنة المشاركة في الرأي والتعاون على إظهار الحق حتى لا نستبد فنهلك وحتى لا نتبع الهوى فنضل. وما أكثر ضحايا الهوى والاستبداد، وهذا هو نهاية الأدب وغاية الكمال أن يشاور الإنسان أخاه، وأن يسترشد برأيه، وأن يستعين به على أموره، وهذا بعض ما للمسلم على المسلم من حقوق يجب التعاون عليها، والتظافر فيها {وّتّعّاوّنٍوا عّلّى پًبٌرٌَ وّالتَّقًوّى" وّلا تّعّاوّنٍوا عّلّى الإثًمٌ والًعٍدًوّانٌ وّاتَّقٍوا پلَّهّ إنَّ پلَّهّ شّدٌيدٍ پًعٌقّابٌ} ومن ذا الذي يستغني عن الشورى وهي المصباح المنير والمجهر المكبر الذي تجلى تحت عدسته أصغر الكائنات وأدق المخلوقات فالعقل البشري مهما كمل ذكاؤه ومهما عظم تكوينه لا يمكنه أن يتبين صواب الرأي وحده ولاسيما إذا أظلمت العواقب واختلطت الطرق، وتعقدت الأمور وقد شاءت حكمة الله ألا يحصر نعمه كلها في كائن واحد، بل وزعها على سائر الكائنات فقد ينفع الحديد حيث لا ينفع الذهب، وقد ينفع الماء حيث لا ينفع العسل، وقد ينفع الورق حيث لا ينفع الحرير. وقد يخطئ رأي عمر بن الخطاب حينما يصيب رأي أحد الصحابة. فالعقل البشري مهما كان ناضجاً لا يمكن أن يستغنى عمن سواه من العقول كالسيف وإن كان صارماً حاداً لا يمكن أن يستغني عن يد بطل صنديد:


عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة
كحد السيف لا يغني عن البطل

وكثيراً ما رأينا في الأفراد والجماعات من طوح بسعادتهم وهنائهم الاستبداد في الرأي، فالزواج الفاشل، والتجارة البائرة والصناعة الكاسدة والزراعة الخاسرة، والمشاريع المعطلة والأمة المحتلة كل هذه النقم إذا تبينت أسبابها وتكشفت أسرارها لتبين لك وبجلاء لا غموض فيه أنها كلها ترجع إلى الاستبداد ويكفي الشورى فضلاً وفخراً أنها تجنب صاحبها عواقب الندم والحسرة في الرأي، وتقيه من شماتة الأعداء وملامة الناس.


وأكثر من الشورى فإنك إن تصب
تجد مادحاً أو تخطئ الرأي تُعذر

ولكن ليت شعري إذا نزل الإنسان من الأمر ما يحتاج إلى المشورة فمن يستشير؟ الحق أقول، ليس كل إنسان أهلاً لأن تشركه في رأيك أو تطلعه على دخيلة نفسك.
فالناس معادن مختلفة ودرجات متفاوتة. ولكن إذا نزل بك من الأمر ما يحتاج إلى الرأي والشورى فلابد من أن تختار لك رجلاً حازماً حكيماً ذكي العقل حاد الفطنة غزير العلم خبيراً بحقائق الأشياء بصيراً بعواقب الأمور شديد الخوف من الله يحب للمسلمين ما يحب لنفسه ويتمنى لهم ما يتمناه لها، عقله أكبر من هواه ودينه أكبر من شيطانه وآخرته أكبر من دنياه.


لا تستشر غير ندب حازم يقظ
قد استوى فيه إسرار وإعلان
بصير بأعقاب الأمور كأنما
يخاطبه من كل أمر عواقبه

وإياك أن تخدعك الصور والأشكال والرتب والألقاب فليس العقل قاصراً على كل غني وثري. ولا على كل عظيم وجيه، ولا على طويل عريض، فالعقل هبة الله يمنحها من يشاء من عباده لا تقيد بغني ولا فقير، ولا كبير ولا صغير فقد تجد عند الفقير من الرأي الصائب مالا يخطر للفتى العظيم على بال.


لا تحقر الرأي يأتيك الفقير به
فالنحل وهو ذباب طائر العسل

وليعلم المستشار أن رأيه عنوان عقله فلا يمنعه أحداً من الناس حتى وإن كان بعيداً لأن العاقبة سوف تنسب إليه، وسوف يعرف بها وسوف يرويه عنه الناس والأجيال، وإن كان حسناً فحسن، وإن كان قبيحاً فقبيح، وخير تراث يتركه الإنسان بعد موته ذكر جميل، تتجلى به سيرته وتشرف به سمعته ويفخر به أهله وذووه. وإنه للؤم في الطبع وخسة في الأصل وحماقة في العقل ومرض في النفس وشذوذ في الأخلاق أن يأتمنك إنسان على مستقبله فتخونه فيه، وعلى كل حال فالمشورة أمانة الله في عنقك فإن خنت صاحبك فيها فقد خنت الله، ولا بد لله من أن يغضب وينتقم {إنَّ رّبَّكّ لّبٌالًمٌرًصّادٌ} {إنَّ پلَّهّ لا يٍحٌبٍَ پًخّائٌنٌينّ} .
وقد وفق الله حكومتنا السعودية الرشيدة على تطوير مجلس الشورى وتفعيله حتى أصبح مؤسسة شورية عملية ومؤثرة في مجتمعنا نقرأ ونتابع أخباره في الصحافة اليومية ونشاهد نشاطاته على الشاشات التلفزيونية ونسمع بأعماله وأفعاله في الراديو، وإنه لمجلس مبارك نرجو الله له الخير والسداد والسؤدد ومن يمين الطالع وسداد الرأي الاختيار الموفق ومن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب هو تعيين العالم العلامة الفاضل خطيب الحرم المكي المصقع المفوه صاحب المعالي فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد رئيساً لمجلس الشورى الذي شهدت له جميع المناصب التي تولاها والمسؤوليات التي تسنمها والإدارات القيادية التي رأسها بالكفاءة وحسن الإدارة والتنظيم والصدق والإخلاص والوطنية والحقيقة أن الشورى سنة من سنن نبينا وهدى من تعاليم ديننا فلنتشاور في أمورنا ونتعاون فيما بيننا على إظهار الحق والصدق في القول والعمل.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved