إن الاكتئاب كمزاج لا يعتبر بحد ذاته مرضاً، وفي مواقف حياتية مختلفة يعتبر الاكتئاب جزءاً من حياة سوية، إلا أنه، من ناحية اخرى يعتبر الاكتئاب مرضاً فقط عندما يستمر فيتجاوز الحدود السوية، ويكون مصحوباً باضطرابات بدنية و ظيفية، وفي التفكير ويعيق النشاطات اليومية عند المريض، وعلينا ان نتذكر دوماً ان الاكتئاب يجب ان يترتب عنه حدوث تبدل هام في نمط حياة المريض وفي سلوكه، اذ يصيبه العجز في التعامل بفعالية مع نشاطاته اليومية الحياتية.
يتميز الاكتئاب بهبوط المزاج وبسوداويته، وببطء التفكير والنشاط ويكون مصحوباً بفقدان متعة الحياة وباثباط في الاهتمامات والدوافع، ولعل اهم علامة في الاكتئاب هي اضطراب المزاج.
شيوعه ونسبة حدوثه
عموماً يعتبر الاكتئاب اضطراباً شائع الحدوث في المجتمعات. وكثير من الاشخاص المصابين به الذين يلتمسون العون والعلاج من الاطباء العاملين يشتكون من كثير من الاعراض البدنية النفسية المنشأ. اكدت دراسات عديدة ان ما يقارب 20% من المرضى الذين يراجعون الاطباء العامين، يعانون من اعراض مرض الاكتئاب، اما انها مصحوبة بمرض بدني، او غير مصحوبة، وان نصف هؤلاء المرضى تقريباً اي 10% تكون الاعراض الاكتئابية شديدة الى الحد الذي يستوجب معالجتهم معالجة نوعية.
وخلافاً للكتب السيكاترية الغربية التي كانت تعتبر مرض الاكتئاب مرض العالم الغربي، فان الاضطراب الاكتئابي يشاهد في جميع المجتمعات بلا تمييز ولا تخصيص، ومثالنا على ذلك الهند حيث يشخص مرض الاكتئاب في المشافي العامة بنسبة 2030% من المرضى المصابين باضطرابات سيكاترية مختلة المنشأة.
تشخيص مرض الاكتئاب
ان اهم شيء يجب ان نتذكره هو ان اكثرية المرضى لا يراجعون الطبيب العام بسبب معاناتهم للاضطراب الاكتئابي، وهذا ما نشاهده خصوصاً عند المرضى الذين يجدون صعوبة في الكلام عن مشكلاتهم الانفعالية للطبيب، فامثال هؤلاء المرضى غالباً ما يشتكون من اعراض بدنية جسمية معممة غير نوعية ومبهمة الطابع. لذلك فان التشخيص الباكر يحتاج الى وعي الطبيب لهذه الناحية، كما يتجنب وبلا طائل اجراءات الفحوص الكثيرة المبددة للوقت والمال.
الأنماط الشائعة لاعراض الاضطراب الاكتئابي:
1 الاشتكاءات العضوية الوظيفية المتعددة:
كما ذكرنا عند كثير من المرضى يتقنع الاكتئاب وراء اشتكاءات بدنية جسمية، وفي هذا الموقف يجب ان يتجه الشك نحو وجود الاضطراب الاكتئابي عند المريض الذي يشتكي ويطلب معالجة الاعراض التالية: الضعف او الوهن المزمن الالم والصداع والشعور بالتعب..الخ.
2 في بعض الاحيان قد يشتكي المريض من انخفاض عام في المزاج شديد لدرجة يعيق نشاطه اليومي ويشل دوافعه واهتماماته. وقد تنتابه نوبات نحيب وبكاء، وتدور في مخيلته الافكار السوداوية التشاؤمية، اضافة الي ضعف الثقة بالنفس، وسيطرة الشعور بالاثم، ولوم الذات الخ.. نراه قلقاً، يجتر افكاره بلا طائل فلا يستطيع اتخاذ اي قرار حيالها وقد يتجلى الاكتئاب فقط باشتكاء المريض من عجزه عن الاستمتاع بالحياة وعن ممارسة النشاطات والمسرات التي كان يستمتع بها من قبل، كمشاهدة التلفاز وقراءة الصحف والمطالعة الخ. كما ويبدي المريض صراحة دوافعه المثبطة المنهية فربة البيت المصابة بالاكتئاب نراها تشكو من عجزها المطلب او النسبي «حسب شدة الاكتئاب» في القيام بمهامها وواجباتها المنزلية التي اعتادت على انجازها .
3 القلق والأعراض العصابية الأخرى:
هناك الكثيرون من مرضى الاكتئاب تتظاهر الاعراض عندهم بوجود القلق والاكتئاب معاً «الاكتئاب القلقي» فنراهم يشتكون من تسرع القلب، والرجفة في اليدين، والدوار وعدم الاستقرار وما الى هنالك من اضطرابات نباتية وعصبية، كما ونرى ايضاً آلى جانب الاضطراب الاكتئابي عند بعض المرضى وجود قصة «نوبات هسترية» نادراً ما تتجلى الصورة الرئيسية السريرية للاكتئاب بافكار وسواسية «اعدالات اكتئابية DEPRESSIVEEQUIVALENTS».
4 الاشتكاءات الأخرى:
هناك تغيرات تصيب مرضى الاكتئاب في نظام فيزيولوجيتهم الذي اعتادوا عليه وألفوه وأهم هذه التبدلات حدوث اضطرابات في النوم ، في حين يشكو آخرون من الامساك، وضعف شهية الطعام، واضطرابات جنسية.
أنواع الاكتئاب
قد يكون الاكتئاب خفيفاً او متوسط الشدة، او شديداً، وهذا يتوقف على الاعراض ودرجة العجز الذي يصيب المريض، ومن الاهمية بمكان التمييز بين هذه الانواع الثلاثة ذلك لان نجاح المعالجة يتوقف على هذا التفريق والتمييز.
1 الاكتئاب الخفيف:
ان مرضى الاكتئاب الخفيف يشكون من اعراض قليلة لاتعيق من نشاطاتهم الحياتية العادية كثيراً، وكل ما في الأمر ان المريض هو نفسه الذي يدرك انه يعاني الاكتئاب فلا يبدو ظاهراً لغيره من الناس مثل الاقرباء والأصدقاء، يشعر المريض بانحطاط في المزاج وبالكآبة واثباط في الاهتمامات والدوافع، وينتابه التهيج، ويضطرب نومه في بعض الاوقات، وغالبا مايكون سبب الاكتئاب تعرض المريض الى شدات وضواغط محيطية مثل الخصومات الاسرية، وازمات مالية الخ.. «الاكتئاب الخارجي المنشأ او الارتكاسي REACTIONAL DEPRESSION.
2 الاكتئاب المتوسط الشدة:
يكون الاكتئاب في هذه الحالة واضحا، اذ يبكي المريض وينتحب كثيرا، يفصح صراحة عن افكاره التي تعكس اليأس والقنوط وتحقير الذات، ويكون اضطراب النوم اكثر شدة وشهية الطعام ضعيفة معتورة، يفضل المرض الانفراد بنفسه والعزلة، يرفض الذهاب الى عمله، ويفقد اهتماماته بنشاطاته اليومية التي تعود على ادائها وانجازها، يبدو عند النظر اليه مثبطا ضعيف النشاط الذهني والجسمي، بليد الفكر والحركة، يتكلم ببطء وحركاته كسولة، واحياناً يأخذ الاضطراب الاكتئابي صورة الهياج وعدم الاستقرار عند الافراد الطاعنين بالسن، فهذا التغير الذي يطرأ على مزاج المريض وسلوكه وسرعان ما يلاحظ ويشاهد من قبل ذويه واصدقائه، وهكذا فإن المريض المصاب بالاكتئاب المتوسط الشدة يكون في حالة عجز على مستوى العمل والعلاقات الاجتماعية «اجتماعياً ومهنياً».
3 الاكتئاب الشديد:
في الاكتئاب الشديد الدرجة يكون المريض عادة في حالة تأخر ذهني وحركي شديدين يلازم فراشه طوال الليل والنهار، خامداً ساكتاً يبكي بهدوء عند سؤاله، يهمل حالته الصحية ومظهره الخارجي، فلا يبدل ثيابه ولايغتسل، ولا يأكل وجباته الغذائية لذلك تسوء حالته الصحية بسبب سوء التغذية، تسيطر على تفكيره الافكار الانتحارية والهواجس يعتقد انه يعاقب نفسه نتيجة اخطاء وخطايا ارتكبها «مشاعر الذنب وتبكيت الضمير» او ان الشرطة تفتش عنه وتقتفي اثره لتزجه بالسجن على جرائمه التي ارتكبها «تخيلات وهواجس» وقد يتهم افراد عائلته بالتخطيط والرغبة في الخلاص منه بقتله «افكار زورية اضطهادية» او انه يخاف من نفسه بالقيام بعمل جرمي كالقتل مثلاً.
ونجد بعض المرضى على درجة شديدة من الهياج وعدم الاستقرار برغم كونهم في حالة تأخر عقلي وذهني «المرضى المسنين».
المعالجة
تتوقف نوعية معالجة مرضى الاكتئاب على شدته وعنفه، فمعظم مرضى الاكتئاب الخفيف الشدة يحتاجون فقط الى معالجة نفسية داعمة وارشاد نفسي كيما يتغلبوا على متاعبهم التي سببت الاكتئاب، أما مرضى الاكتئاب المتوسط الشدة فيستفيدون افادة كبيرة من المعالجة الدوائية (الادوية المضادة للاكتئاب) ثم ان مرضى الاكتئاب الشديد الدرجة قد يحتاجون الى العلاج في المستشفى باشراف طبيب سيكاتري.
أ الإجراءات العلاجية الداعمة:
ان التطمين، والتفهم، والرغبة في الاستماع والاهتمام بشكاوي المرضى، هذه الامور غالبا ما تكون العلاج الوحيد الضروري لاشكال الاكتئاب الخفيف، فالتحدث الى المريض والسماح له بتفريغ ما في نفسه من متاعب ومشكلات هما علاج بذاته، وعلى الطبيب العام ان يفتش من خلال حديثه عن متاعبه مثل وفاة احد افراد عائلته، أو تعرضه لأزمة مالية او وجود صعوبات جنسية او في حياته الزوجية الخ..
كما يتعين على الطبيب العام التعرف على العوامل المحيطة التي تسهم في امراض المريض وهكذا فان الفهم الشامل لحالة المريض تمكن الطبيب من تقديم العون والارشاد للمريض ولعائلته.
ان طمأنة المريض ان اعراضه الاكتئابية هي مؤقتة عابرة ولا يلبث بعد مدة من استعادة صحته النفسية انما هي داعمة ويجب ان يلح عليها الطبيب، ولابد من أن يتجنب الطبيب الفحوص الطبية غير الضرورية لأنها تحط من معنويات المريض وتزيد من وهمه، ثم انه من الاهمية بمكان ان يصحح الطبيب السلوك الاسري الخاطىء الذي يسيء لصحة المريض النفسية ويعزز الاضطراب الاكتئابي.
وعند بعض المرضى قد يحتاج الطبيب العام الى اعطاء علاج دوائي كالمهدئات لتخفيف القلق واضطرابات النوم.
ب العلاج الدوائي:
تلعب الادوية المضادة للاكتئاب بأنواعها المختلفة في التركيب الكيمياوي دوراً حاسماً وهاما في تخفيف وطأة الاعراض الاكتئابية المكدرة الضاغطة وبرغم وجود العديد من الادوية المضادة للاكتئاب فان المركب Amitriptyline & Imipramine يظلان الدواءين المختارين المفضلين في علاج
الاكتئاب.
|