كثيرون هم من وقعوا في شراك المخدرات وأصبحوا ضحايا وعبيدا لها، وقلة هم من استطاعوا النفاذ بأنفسهم وتحريرها من عبودية المخدر. في القادم من الأسطر سنطلع على قصة أحد أولئك الشباب المتعافين، ممن وقع في براثن المخدرات، والذي استطاع بحمد الله تعالى وتوفيقه تدارك نفسه، وتغلب على هوى الشيطان «المخدرات» بعد أن خاض معها معركة شرسة امتدت ل12 عاما، واجه فيها العديد من المشاكل الصعبة وعاش معها حياة قهر وعذاب.
توجهت إلى المتعافى «ص.ع.ض» ليروي لنا كيفية وقوعه في المخدرات ومن ثم يذكر بعضا من المواقف الصعبة والمؤلمة التي عايشها ومر بها.
يقول المتعافي «ص.ع» اعتبر انحرافي بدأ مع أول يوم هربت فيه أنا وأقراني من المدرسة عندما كنا في المرحلة المتوسطة «ثالث متوسط» حيث هربنا وبدأنا في التدخين، والذي أيضا بدأت معه مشاكلي العائليّة في المنزل بعد أن اكتشف أبي واخواني أنني أدخن. نصحوني وعاقبوني «أبي واخواني» مرارا وتكرارا بقصد ردعي عن التدخين والهروب من المدرسة. لكن كان لدي نوع من التمرد والعناد ولم أعرهم أي اهتمام، إلى أن تصاعدت المشاكل معهم. ومعها تزايد عدم انتظامي في المدرسة حتى تركت الدراسة، منذ ذلك الوقت أخذت المشاكل في المنزل تتفاقم بشكل كبير جداً بسبب انقطاعي عن الدراسة، وبدأ أبي يعاملني معاملة سيئة للغاية، ساهم ذلك في إحساسي بالخوف الشديد والقلق عندما اوجد في البيت، لذلك أصبحت أشعر بالراحة أكثر خارج المنزل. مما جعلني أقضي ساعات طويلة خارجه، تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل. خلال فترة وجودي خارج المنزل كنت أذهب مع بعض الزملاء لندخن، في بعض الأحيان كان يتواجد معنا شخص يكبرنا سناً يدعى خالد وهو يقرب إلى أحد أصدقائي المقربين. كان خالد يتودد لي ويحاول التقرب مني والتعرف على مشاكلي بدواعي حلها. مع الأيام أصبحت أنا وخالد أصدقاء، وبدأت أطلعه على بعض مشاكلي وأسراري الخاصة. ولم أكن أعلم أن حلوله سوف تكون بوابة العبور إلى الهاوية.
في حقيقة الأمر، مصاحبتي له خطأ فادح لأنه يكبرني سناً، ولكن الدافع وراء مصاحبته شعوري أنني رجل عندما أصاحب من يكبرني سناً، لاسيما وأن عبارة «أنت لست برجل» كانت كثيراً ما تتردد على مسامعي من أبي واخواني.
في إحدى الليالي قابلت خالدا وأنا في حالة نفسية سيئة بسبب كثرة المشاكل مع أبي وأخبرته انني سئمت هذه العيشة. فما كان منه إلا أن قدم إلي سيجارة حشيش في حينها لم أكن أعرف ما هي المخدرات، فسألته ما هذا؟ أجاب: إنه حشيش، طريقك إلى السعادة ونسيان همومك ومشاكلك العائلية التي تعاني منها.
في البداية، أحسست بالرهبة ورفضت الفكرة. فكرر خالد طلبه وأغراني قائلاً: جرب لو لمرة واحدة، وإذا لم يناسبك ذلك تستطيع التوقف عن التعاطي. ولن يصيبك أي ضرر، ولن يعلم أحد بذلك.
تحت إغراءاته تعاطيت الحشيش وكان عمري 16 عاما. ما هي إلا دقائق حتى جرى مفعول الحشيش في جسدي، وشعرت بسعادة زائفة قادتني فيما بعد إلى فقدان الكثير والكثير، وكان أول ما فقدته هو ثقة أبي عندما اكتشف أنني أتعاطى الحشيش بعد أن وجد قطعة حشيش في ملابسي، لم يساوره شك في أنني استخدم الحشيش لأن تصرفاتي وسلوكياتي كانت تدل على أنني شخص منحرف. كان الأمر بالنسبة لوالدي صدمة عظيمة، كيف لا وابنه الذي لم يتجاوز السابعة عشرة عاطل بلا وظيفة ولا عمل، وعلاوة على ذلك يتعاطى المخدرات، قام أبي بطردي من المنزل وطالبني بعدم العودة إليه، ومن تلك اللحظة بدأت المعاناة حيث لم يصبح لي مأوى أذهب إليه سوى رفقاء السوء. انقضت سنتان وحالي لم يتبدل، إنسان عاطل لا دراسة ولا عمل. كلما أعود إلى المنزل ويراني أبي يقوم بطردي، أقضي جل وقتي في البحث عن مروجي المخدرات، وإذا وجدت المروج واجهتني مشكلة عدم توفر المال لشراء المخدر، لم أكن أتردد ثانية واحدة في السرقة والنصب والاحتيال سواء على قريب أو غريب. كنت أسرق المال حتى من أفراد عائلتي. في إحدى الليالي سرقت أنا وخالد خزنة زوج شقيقتي أثناء سفرهم ووجدنا فيها 000.21 ريال صرفت خلال أيام على المخدرات، خلال مدة السنتين كنت أتردد على المنزل في فترات متقطعة دون وجود أبي وذلك لأحصل على المال من والدتي التي عانت كثيرا مني، أثناء وجودي في المنزل في أحد الأيام، صادفت أخي الأكبر الذي كان أيضا في ذلك اليوم يقوم بزيارة لعائلتنا، قام أخي يومها ومعه والدتي بتوجيه النصائح لي وذكراني بأنه انقضت سنتان من عمري دون فائدة، ولابد أن أبدأ بصدق في تعويض ما فات. وأخبرني أخي أن هناك دورة في أحد القطاعات العسكرية ونصحني بالالتحاق بها وأن أبدأ صفحة جديدة مع الحياة. كان لنصائح أمي وأخي وقع خاص في نفسي وأعطيتهما وعدا بأن أتوقف عن التعاطي، وقررت الالتحاق بالدورة والابتعاد عن رفقاء السوء خصوصا أن الدورة ستعقد خارج المدينة التي أعيش فيها.
ذهبت إلى الدورة والأمل يعايشني أن أفتح صفحة جديدة مع المستقبل مفعمة بالسعادة بعيدة كل البعد عن حياة المتعاطي التي غالبا ما تكون أشبه بحياة المشرد عن وطنه، صفحة أعوض فيها والداي عما سببته لهما من أحزان ومتاعب صحية واجتماعية. ولكن للأسف كنت على موعد مع صفحة جديدة من الشقاء والألم.
وصلت إلى المنطقة المقامة فيها الدورة وانقضت ثلاثة أشهر دون تعاط، إلى أن قابلت أحد الأصدقاء، ويدعى عمر، سبق وأن تعاطيت المخدرات معه في جدة، دعاني عمر إلى السهر معه تلك الليلة فأخبرته أنني تبت عن التعاطي ولكنه أصر علي وقال :«هذه المرة وبس». ضعفت إرادتي أمامه وقبلت دعوته وسهرنا سويا وتبخرت الوعود التي أعطيتها لوالدتي وأخي، وسرعان ما عدت إلى ما كنت عليه.
كان نظام الدورة يسمح لي بالخروج من معسكر الدورة يوم الأربعاء لأعود يوم الجمعة، كنت دائما أحدد موعدا مع عمر لنتقابل في عطلة نهاية الأسبوع لنقضيها في تعاطي المخدرات.
في إحدى عطل نهاية الأسبوع بحثت أنا وعمر عن الشراب والحشيش فلم نجدهما وفوجئنا بالمروج «البياع» يعرض علينا نوعا وصنفا جديدا من المخدرات بسؤاله: هل تريدون بودرة؟ مزاجها أفضل بكثير من الحشيش والشراب! أنا لم أرغب في شراء الهيروين، لكن عمر أصر على ذلك حاولت منعه لكنه فاجأني وفي الوقت ذاته صارحني بأنه يتعاطى الهيروين. لم يطول النقاش بينا واتفقنا على الشراء. بعد حصولنا على البودرة توجهنا إلى شقتي وكنت مستبعداً فكرة تعاطي الهيروين، عندما وصلنا الشقة أخذ عمر في إغرائي لكي أجرب البودرة، صورها لي أنها عالم آخر، قال لي: الهيروين هو السعادة بينما هو العكس في حقيقته.
(يتبع) * مجلة «الأمل»
|