المأزق الذي يقع فيه الإعلام العربي يتمثل في كونه مأزق مضمون ورسالة، أكثر من كونه مأزق وسيلة وقناة.. فلدينا الوسائل الفضائية بالعشرات والمئات والصحف بالمئات والآلاف.. والمطبوعات بعشرات الألوف.. وتظل الرسالة الإعلامية هي الغائب الأكبر في منظومة الإعلام العربي وهي المحك الأساسي للنجاح والتقدم لقضايانا ومشروعاتنا السياسية والفكرية والثقافية التي تأخذنا إلى العالم مكانا، والى المستقبل زمانا..
وتظل الآلة الإعلامية تتحرك في كل الاتجاهات تحاول التأثير في شرائح وفئات المتلقين، إلا أن النجاح الحقيقي هو في التأثير على مجريات الأحداث الكبرى، ومسارات المواقف الدولية. والنجاح الحقيقي للإعلام العربي هو في مدى تأثيره على مسار القضايا الاستراتيجية للأمتين العربية والإسلامية..
ولنعترف ابتداءً أن إعلامنا العربي ساهم في المأزق السياسي الذي تقع فيه القضية الفلسطينية أكثر من تقديمه المساهمة الفعالة لإنقاذ هذه القضية. كما أن هذا الإعلام راوح مكانه دون التقدم الى مساحات جديدة في الهامش الذي أتاحته الظروف الإقليمية والمستجدات الدولية، ولم يعمل متوازيا مع الحركة السياسية للقضية التي تقدمت الى ظروف مواتية جزئيا لمتطلبات النتائج النوعية للقضية.
وينبغي التفريق هنا بين جانبين في مجالات الإعلام العربي، المجالات الأولى موجهة الى المتلقي العربي.. وهذا ليس مجال اهتمامنا في هذا المقال، والمجال الآخر موجه الى القارئ والمشاهد والمستمع الدولي أو ما نسميه إجمالا بالجمهور الدولي.. وهذا هو مركز اهتمامنا في هذا المقام.. وربما نكون قد حققنا نجاحا خاصا على مستوى الجمهور العربي، إلا أننا لم نتقدم إلا خطوات محدودة باتجاه الجمهور العالمي المهتم بقضيتنا الأولى: فلسطين.
نسترجع الموقف الإسرائيلي قبل حوالي شهرين أو ثلاثة تقريبا، وكيف أن إسرائيل واجهت موقفا عصيبا، وعزلة دبلوماسية خانقة، وأصبح العالم باتجاه الضغط الكبير على إسرائيل.. وشعر الإسرائيليون أنهم أمام كارثة قد تودي باستقرار وأمن دولتهم.. وقد صرح وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز في حينها منتقدا سياسية رئيس وزرائه شارون، قائلاً ان إسرائيل لأول مرة تقف في مواجهة مع العالم.. وعندئذ فقط طالبت وسائل الإعلام والمستشارون السياسيون في الحكومة الإسرائيلية أن يعمل شارون على التحرك سريعا لإنقاذ الوضع، وحفظ ماء وجه إسرائيل، وكسر العزلة.. وتم مطالبة شارون بتكوين فريق طوارئ إعلامي، مكون من أحد وزراء الدولة وعضوية ممثلين في مكتب رئيس الوزراء والدفاع والخارجية.. وتم تبعاً لذلك الاستنجاد بشركات الإعلام والعلاقات العامة المتخصصة لإنقاذ الموقف..
وبطبيعة الحال يكون ما يدار داخل اجتماعات شركات الإعلام ومسئولي الحكومة الإسرائيلية سرا، وليس للمداولة العلنية، ولكن يمكن لنا أن نتحدث عن النتائج الباهرة لهذه الحملة القوية، التي قلبت ميزان القوى، وغيرت اتجاهات الموقف، وبعثرت أوراق النجاحات الفلسطينية والعربية.. ولم يكن السؤال الاستراتيجي الذي وضعته الحملة الصهيونية: ما هي الوسائل التي يستفيدون منها؟ بل إن السؤال الأهم: ما هي الفكرة الاستراتيجية التي ينبغي تداولها في المرحلة الجديدة من تلك الحملة؟ بمعنى آخر ما هي المضامين الأساسية التي ينبغي أن تركز عليها الحملة؟
وتبنت هذه الحملة مجموعة أفكار واستراتيجيات بهدف قلب موازين الإعلام الدولي، وبعثرة الأوراق السياسية؟ وتغيير مسار القضية الى محطات جديدة..
وهذا ما حدث فعلا:
* أولاً: البدء بالتشهير بالسلطة الفلسطينية، ومحاولة إثارة البلبلة وطرح سؤال الشرعية بصفة مستمرة.. وتجسد هذا الهدف الذي رسمه المخططون الاستراتيجيون الإعلاميون في تحميل السلطة الفلسطينية كل عمل مقاومة تقوم به المنظمات الفلسطينية على الأرض الفلسطينية.. وتحديداً تمثل ذلك في خروج المتحدثين باسم مكتب رئيس الوزراء أو باسم مكتب وزير الدفاع أو باسم الحكومة الإسرائيلية وغيرهم من مجموعة تم تعيينهم تحديداً ليقوموا بالتصريحات الإعلامية مباشرة على العلميات الاستشهادية في الضفة والقطاع أو داخل المدن الإسرائيلية.. وتتلخص هذه التصريحات في رسالة واحدة تتضمن مجموعة كلمات محددة يتم التعبير عنها بصيغ عديدة، ولكنها تتركز في كون«السلطة الفلسطينية تتحمل مسئولية هذا الحادث».. وكان الهدف المهم الذي تسعى إليه الأجهزة الإعلامية في إسرائيل هو ربط هذه العمليات الاستشهادية مباشرة بالسلطة الفلسطينية.. بهدف التأثير على شرعيتها وأخلاقياتها..
* ثانيا: متابعة التصريحات والتحليلات السياسية والإعلامية بفكرة جوهرية أخرى، هي أن هذه العمليات هي بمثابة عمل إرهابي.. وأن السلطة الفلسطينية تقوم بأعمال إرهابية وليست مؤهلة للاشتراك في عمليات السلام.. وكان الهدف من ذلك هو استدعاء المصطلحات السياسية القائمة في قاموس الإرهاب إلى منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا تلك التي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصا الرئيس جورج بوش.. وكان هذا أكبر انتصار حققته الحملة الإعلامية الإسرائيلية الصهيونية..
ورويدا رويدا حتى أصبحت الحملة تتبنى تشبيهات مماثلة لتلك التي أفرزتها الحملة العالمية ضد الإرهاب..
* ثالثا: تطورت الحملة الى أن استدعت الرئيس ياسر عرفات شخصيا لتحميله مسئولية العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون دفاعا عن حقوقهم على الارض الفلسطينية.. وتوجهت التصريحات إلى القول بأن«ياسر عرفات يتحمل مسئولية هذه العمليات شخصياً».. وتهدف الحملة إلى إثارة الشكوك في الرمز السياسي الأول، والاستمرار في تداول مصطلحات الإرهاب.. وربطها بشخصية رئيس السلطة.. وهكذا استمرت هذه التصريحات ملمحة في البداية إلى كون الرئيس عرفات لم يمنع هذه العمليات.. إلى أن تمادت فيما بعد إلى التنديد به لأنه أمر بتنفيذ هذه العمليات على حد قولها..
* رابعا: اتضحت اللعبة الإعلامية الصهيونية وقد نجحت في تبنِّي مصطلحات الإرهاب الدولية.. وتجسد هذا النجاح في إقناع الولايات المتحدة تحديداً والرئيس بوش على وجه الخصوص في أن ما تقوم به إسرائيل في فلسطين هو الشيء نفسه الذي تقوم به أمريكا في أفغانستان.. وتحديدا اتضحت الحملة تماما في المعادلات التالية:
ما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون هو نفس الشيء الذي يقوم به رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
يدافع الرئيس بوش عن مصالح مواطنيه الأمريكان، كما يدافع شارون عن مواطنيه الإسرائيليين.
العمليات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل في الضفة والقطاع هي نفس العمليات التي تقوم بها أمريكا في أفغانستان، ولنفس الهدف والغايات.
في إطار هذه الحملة، فإن إسرائيل تحارب السلطة الفلسطينية كما تحارب أمريكا حكومة طالبان.
وتحارب إسرائيل المنظمات الفلسطينية كما تحارب أمريكا شبكة القاعدة.
وهكذا نجحت الحملة الإعلامية الإسرائيلية في استدراج الموقف الأمريكي إلى الأرضية الإسرائيلية، وحط الموقف الأمريكي بطائرة الرئيس بوش على مدرجات مطار بنجوريون، حسب التخطيط والتوقيت الذي وضعه ارئل شارون.. ولكن النجاح في ذلك يعود إلى شركات الإعلام والعلاقات العامة الأمريكية التي أجهضت على النجاحات العربية، وأوجدت مناخاً مناسبا يواكب مخطط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بضحايا تصل إلى أقل حد ممكن من الخسائر المعنوية لإسرائيل..
وفي المقابل، يظل الإعلام العربي متفرجا واقفا يلوك نفس الكلام، يكرر نفس العبارات، ويعبّر عن نفس المواقف، ويتعامل مع الجماهير العربية كأنها جماهير عالمية.. أو يتعامل مع الجماهير العالمية كأنها جماهير عربية.. ويظل نفس السؤال ملحاً: أين المضمون الإعلامي؟ أين الفكرة الجوهرية؟ أين المتحدثون باسم هذا النظام العربي إلى العالم كله؟ أسئلة حائرة.. تبعثرها أوراق القضية ودولارات الإعلام الصهيوني..
* رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الاتصال أستاذ الصحافة والإعلام الدولي بجامعة الملك سعود |